الأغلبية الصامتة: نوكيا... الحصن المنيع
بعد إعلان منصة باينانس للعُملات المشفَّرة، الخميس الماضي، تعرُّضها لاختراقٍ واسع طال أموالاً بقيمة نحو 6.3 مليارات دولار، وتجميد نحو نصفها لمنع سرقة ضخمة، عاد موضوع التضحية ببعض التكنولوجيا في مقابل تحقيق الأمان المالي والمعلوماتي للنقاش من جديد.
ففي عصر يُهيمن الذكاء الاصطناعي على أدق تفاصيل حياتنا، بات الحديث عن «العودة إلى الوراء» ضرباً من الخيال. ورغم ذلك، تشهد الساحة العالمية اليوم ظاهرة تُعرف بـ «الهجرة التكنولوجية العكسية»، التي ترى أن العودة للتكنولوجيا القديمة تُمثل ملاذاً آمناً من قرصنة العصر الحديث. وهذه الظاهرة تزيد بمقدار أعداد المتضررين من أعمال القرصنة لأموالهم أو معلوماتهم الشخصية.
وبعيداً عن حالة الأشخاص الذين يعانون صعوبة الاندماج مع الهواتف الذكية، يعيش بيننا مَنْ يستعملون الهواتف «المتخلفة» التي لا تدعم الاتصال بالإنترنت أو تحميل التطبيقات، وبنفس الوقت يمتلكون-مضطرين- أجهزة ذكية تُتيح لهم الوصول إلى تطبيقات وجودية، مثل «سهل»، حتى يتمكَّنوا من تسيير حياتهم مع الواقع المفروض عليهم. هؤلاء الأشخاص يمثلون حالة التعايش القسري بين القديم والجديد.
لقد قرَّر عدد من الأفراد والشركات، وحتى الحكومات، التخلي عن الأجهزة الذكية والعودة إلى أدوات وطُرق قديمة، بحثاً عن الأمان والسرية المُطلقة، مثل وكالة الأمن الفدرالية الروسية (FSS)، وبعض الدوائر الحكومية في ألمانيا، حيث أعادوا شراء واستخدام الآلات الكاتبة الميكانيكية لإعداد التقارير والمستندات شديدة السرية. أما الشركات الكبرى، فقد عاد بعضها لاستخدام نظام المراسل الشخصي لنقل المستندات الحساسة والعقود المليارية يدوياً بحقائب مغلقة، بدلاً من إرسالها عبر البريد الإلكتروني أو خدمات التوقيع الرقمي.
ولم يكن سطوع نجم هواتف «نوكيا» من جديد نابعاً من فراغ، فهي لا تحتوي على أنظمة تشغيل معقدة يمكن اختراقها عن بُعد، ولا تحتوي على مستشعرات تتبُّع (GPS) متطورة، مما يجعل مراقبتها أو سرقة البيانات منها أمراً شبه مستحيل سيبرانياً.
ختاماً، نحن نعيش في مفارقة غريبة، فكلما زاد العالم ذكاءً رقمياً، زادت حاجتنا إلى «الغباء» التكنولوجي لحماية خصوصيتنا. تلك الحاجة لا تعني التخلي عن التقدُّم، بل هي أسلوب تصحيحي ووقائي، فالأدوات القديمة التي كُنَّا نظن أن زمانها انتهى، أثبتت أنها الحصن المنيع الذي عجزت أعتى برمجيات القرصنة عن اختراقه، ببساطة لأنها لا تتحدَّث لغة الإنترنت.