في معقل نوابغ العلم... برلين

نشر في 30-10-2026
آخر تحديث 29-10-2026 | 18:11
 م. صقر خالد العنزي

لم تكن رحلتي إلى العاصمة الألمانية برلين مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل تجربة أعادت إلى ذهني سؤالاً طالما شغلني: كيف استطاعت بعض الدول أن تجعل من المعرفة ثقافة، ومن الاستدامة ممارسة، ومن التخطيط للمستقبل مسؤولية تتجاوز حدود الأجيال؟

ذهبت إلى برلين للمشاركة في برنامج تدريبي متخصص في كفاءة الطاقة، بتنظيم الأكاديمية الألمانية للطاقة المتجددة (RENAC)، وبدعم من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي (KFAS). وخلال البرنامج، أدركت أن كفاءة الطاقة ليست مجرد معادلات هندسية أو تقنيات حديثة، بل ثقافة تبدأ من سلوك الفرد وتمتد إلى سياسات المؤسسات؛ فالحل ليس دائماً في إنتاج المزيد من الطاقة، بل في حسن إدارة ما نملكه منها.

وكان لوجود قامة علمية كالدكتور حسن البصيري أثر خاص في إثراء التجربة؛ فلم تكن المعرفة برفقته محصورة بين جدران القاعات الدراسية، بل كانت ترافقنا أينما ذهبنا. ففي أثناء تجولنا في شوارع برلين، أو جلوسنا في أحد المقاهي، كان يثري أحاديثنا بإضافات علمية ثمينة، حتى غدت كلماته درراً تُلتقط من بين الأحاديث العابرة.

وأذكر كيف حوّل حديثاً عابراً عن صلاة الظهر واتجاه الظلال إلى درس في تحديد الجهات وتوجيه الألواح الشمسية، وكأن المدينة بأكملها أصبحت قاعة دراسية مفتوحة. كانت تلك التفاصيل الصغيرة درساً في أن العالم الحقيقي لا يتوقف عن التعليم بانتهاء المحاضرة، وأن المعرفة حين تسكن صاحبها، تصبح جزءاً من حديثه ونظرته إلى الحياة.

وبين تلك الدروس والأحاديث، تأملت العلاقة بين الإنسان والمدينة؛ فالتقدم لا يُقاس بارتفاع المباني واتساع الطرق وحدهما، بل بقدرة المؤسسات على تحويل المعرفة إلى واقع ملموس. وبصفتي مهندساً، وجدت في التجربة فرصة لإعادة التفكير في ربط التنمية الهندسية بالاستدامة البيئية في الكويت، والاستفادة من التجارب الدولية بما يناسب واقعنا.

غادرت برلين بقناعة أن المعرفة لا تكتمل قيمتها إلا حين تتحول إلى أثر. وأتقدم بخالص الشكر إلى سعادة السفيرة ريم محمد الخالد على حضورها الكريم ومشاركتها لنا فرحة الإنجاز، وكل من أسهم في إثراء هذه الرحلة.

back to top