الفساد الإداري

نشر في 30-10-2026
آخر تحديث 29-10-2026 | 18:06
 أحمد محمد العبدالعالي

الفساد هو عكس الصلاح الذي تستقيم به الأمور، وهو أنواع. وفي هذا المقام سنتكَّلم عن الفساد الإداري، الذي لا تخلو دولة من دول العالم منه. ويُمارس هذا الفساد بعض الموظفين، مستغلين صلاحياتهم الوظيفية، وله أشكال وأنواع، ويتسع ويضيق وفق الصلاحيات الممنوحة لهم.

وعند الحديث عن الفساد، فالكل يشكو ويتهم الآخر، ويزعم الإصلاح، وأنه لا يُحب الفساد، وكأن المفسدين ليسوا من أهل الأرض. وكما قال المعري:

كل من لاقيت يشكو دهره 

ليت شعري هذه الدنيا لمن؟!

أو كأن حال لساننا: 

كل من لاقيت يشكو الفساد 

ليت شعري هذا الفساد لمن؟! 

ويبدأ الفساد من التعيين، ويمر بمراحل عدة، حتى ينتهي بالتقاعد، أو الاستقالة، أو الموت، أو حين يكتشف أمر صاحبه، فهذه المراحل بالنسبة للفاسدين مواسم وغنائم يجمعون فيها ما يستطيعون من جاه وواسطة وأموال، وغيرها الكثير من الأمور التي لا تُعد، وتستغرب منها وكيف توصلوا إليها.

وللفساد الإداري صور وأشكال، منها: إساءة استعمال السُّلطة، والانحراف عن تطبيق القواعد القانونية، وذلك لتحقيق منفعة شخصية أو محاباة الغير. وقد يتسلل الفساد من باب الاستثناءات، حين تتخذ الإدارة مما تملكه من سُلطة تقديرية ذريعة لتجاوز القانون وتتعدد الحجج التي يسوغ بها هذا التجاوز، ومنها القول بتطبيق روح القانون، غير أن روح القانون تستمد من مقاصده وغاياته، ولا تتحدَّد وفق الرغبات، فإذا أصبح لكل شخص مفهوم يُبرِّر به تجاوزه، فقد القانون عموميته، وصارت الحقوق رهينة هذه الرغبات، بدلاً من القواعد القانونية الحاكمة.

أما المجاملات، فحين تتحوَّل من لطفٍ في المعاملة إلى محاباة في القرار، فيمنح شخص ما لا يستحقه، كإعفائه من شرط واجب، أو تقديمه على غيره، فإنها تمتد إلى حقوق الآخرين. أما العبارة المضحكة: «المساواة في الظلم عدالة»، فهي عبارة غير سليمة في معناها ومآلها، فتعميم الظلم لا يحوِّله إلى عدل، بل يُوسع دائرة المتضررين منه. المساواة المطلوبة هي المساواة في الحقوق، وفي التطبيق المشروع للقانون، فإذا وقع الظلم كان الواجب رفعه، وتصحيح أسبابه، لا توزيعه بالتساوي.

الفساد الإداري مرض قد يستشري كالسرطان، يبدأ بتجاوز يُستهان به، ثم يتكرَّر، حتى يُصبح ممارسة مألوفة، ويغدو الالتزام بالقانون أمراً مستغرباً، فيما يجد التجاوز مَنْ يدافع عنه، ويلتمس له الأعذار.

وفي الختام، نُعوِّل على فطنة الحكومة، وقُدرتها على تمييز المُفسد من المصلح، فالفاسد كالأفعى يلين ملمسه ويُخفى خطره، وكما قِيل: 

إن الأفاعي وإن لانت ملامسها 

عند التقلب في أنيابها العطب 

وهكذا الموظف الفاسد؛ يتلوَّن، ويُبدِّل جلده، ويتستَّر بمظاهر الصلاح، حتى لا ينكشف أمره.

back to top