انتخابات الكيان ووهم التغيير في السياسة الإسرائيلية
تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية قبيل أي استحقاق انتخابي اهتماماً واسعاً من الرأي العام العالمي والعربي، حيث تتجه الأنظار نحو نتائج صناديق الاقتراع على أمل حدوث تغيير حقيقي. هذا الرهان يمثل في حقيقته وهماً سياسياً وخدعة كبرى. فعند التدقيق في تصريحات جميع الأحزاب والمرشحين الإسرائيليين، من دون استثناء، نجد إجماعاً تاماً على رفض أي شكلٍ من أشكال الدولة الفلسطينية حتى لو كانت صورية، والتمسُّك المُطلق بسياسات الفصل العنصري ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والداخل، فضلاً عن الدعم العلني لجرائم الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة.
تؤكد استطلاعات الرأي في إسرائيل، التي لطالما تغنَّت بديموقراطيتها المزعومة، أن الغالبية الساحقة من الشارع والطبقة السياسية تلتف حول خيارات اليمين المتطرف، المتمثلة في محو حل الدولتين ومواصلة البطش. ومن هنا يأتي خطر صعود ما تسمَّى بالمعارضة الإسرائيلية؛ فهي لن تكون سوى أداة تجميل لنظام عنصري، وستمنح قادة الدول الكبرى في أميركا وأوروبا، المتورطين أساساً في توفير الغطاء الشرعي والسياسي للإبادة، مبرراً زائفاً لادعاء أن إسرائيل صحَّحت مسارها وعادت إلى جادتها الإنسانية والديموقراطية. وسترافق ذلك عاصفة إعلامية غربية ضخمة للقوى الصهيونية لتحسين صورة تل أبيب، فيما على الأرض ستبقى سياسات الإبادة، وتوسع المستوطنات، وحرق مزارع الزيتون، وقمع الفلسطينيين، على حالها من دون تغيير حقيقي في معاناتهم اليومية.
طوفان العقوبات وتآكل الشرعية الدولية
يتسق هذا السقوط الأخلاقي والسياسي مع واقع استراتيجي جديد؛ فالعزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل اليوم بعد طوفان الأقصى ليست مجرَّد تحذيرات دبلوماسية عابرة أو شعارات في أروقة المحافل الأممية، بل تحوَّلت إلى واقعٍ ملموس يتخذ شكل طوفان متصاعد من العقوبات والقيود الاقتصادية والسياسية غير المسبوقة.
أقدمت دول كبرى، مثل: فرنسا، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، والنرويج، وإسبانيا، وأيرلندا، على فرض قيود وحظر دخول على وزراء في الحكومة الإسرائيلية، مثل: إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، وقادة منظمات المستوطنين، مما جعلهم شخصيات غير مرغوب فيها بمعظم العواصم المتقدمة.
تتجه أكثر من خمسين دولة نحو اتخاذ أو اقتراح إجراءات عقابية وقيد تجاري وسياسي، تنوَّعت بين تعليق التعاون الدبلوماسي، والقيود الأكاديمية، وحظر توريد الأسلحة. ونتيجة لذلك، يتجاوز النقاش اليوم في العواصم الغربية حدود الانتقادات التقليدية، ليمتد إلى الطعن المباشر في شرعية السياسات الإسرائيلية، ومدى توافقها مع القانون الدولي، وصولاً إلى تصدُّع الدعم حتى داخل المؤسسات الحزبية في الولايات المتحدة نفسها.
التداعيات الاقتصادية والمالية الشاملة
تتجاوز خريطة العقوبات بضائع المستوطنات، لتطول أركان الاقتصاد الكُلي الإسرائيلي عبر مسارات مترابطة. فرضت دول أوروبية، مثل: هولندا، وبلجيكا، وإسبانيا، وأيرلندا، حظراً صارماً على منتجات المستوطنات غير الشرعية، مما خلق أثراً غير مباشر دفع المستثمرين والمستوردين الأوروبيين لتجنب التعامل مع السوق الإسرائيلية برمتها، هروباً من التعقيدات القانونية وعمليات التحقق الإدارية المرهقة.
وفي السياق ذاته، أقدمت لوكسمبورغ، التي تُعد المركز المالي لإصدار السندات الإسرائيلية في أوروبا وأيرلندا، على تجميد موافقاتها على إصدارات سندات إسرائيل، مما وضع الأسواق المالية تحت ضغوط هائلة وحالة من عدم اليقين الائتماني.
تحذر القراءات التحليلية أيضاً من أن فرض أي قيود محتملة على توريد المكونات الإلكترونية والرقائق ذات الاستخدام المزدوج سيعصف بقدرة إسرائيل على تصنيع وتحديث منظوماتها العسكرية المتقدمة، وهو ما يعكس حجم الهشاشة التي بات يواجهها قطاع التكنولوجيا والصناعات الحيوية الإسرائيلية أمام موجة الضغوط المتزايدة.
مخاطر العزلة طويلة الأمد وسيناريو جنوب إفريقيا
يتركز الخطر الأكبر الماثل أمام إسرائيل في خاصية التراكم والتوسع؛ فالعقوبات المتصاعدة تتجه حتماً نحو تضييق الخناق المؤسسي والتجاري، مما يُنذر بتراجع حاد في مؤشرات الاستثمار الأجنبي، بفعل مخاطر المقاطعة وسحب الاستثمارات. وتُحذِّر مراكز أبحاث إسرائيلية عديدة من أن استمرار هذا المسار سيحوِّل إسرائيل تدريجياً إلى كيانٍ منبوذ دولياً شبيه بنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا سابقاً، مما يهدد اتفاقيات الشراكة والتجارة الحُرة مع الاتحاد الأوروبي والشركاء الدوليين على المدى البعيد.
شهدت العقوبات الاقتصادية السابقة عبر التاريخ قدرة هائلة على تفكيك بنية الأنظمة العنصرية عندما تخرج عن نطاق الرقابة الدبلوماسية الدورية إلى أداة حصار شامل، وهو ما يدفع بالداخل الإسرائيلي نحو حالةٍ من الذعر السياسي مع تزايد كلفة السياسات العدوانية وتأثيرها على الحياة الاقتصادية اليومية للمستوطنين.
تقاطع سقوط الأقنعة وطوفان العزلة
ما يشهده العالم اليوم ليس مجرَّد سحابة صيف أو أزمة عابرة، بل هو تقاطع تاريخي بين سقوط الأقنعة السياسية في الداخل الإسرائيلي، حيث تتكشف حقيقة اليمين والمعارضة، على حدٍّ سواء، في رفض السلام والتأسيس للفصل العنصري، وبين طوفان العزلة الدولية الذي يُحاصر المشروع الصهيوني برمته.
تتحرَّك العقوبات وتحوُّلات الموقف الدولي لتصنع أداة ضغط استراتيجية تُعيد صياغة مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية، وتفضح زيف ادعاءات التغيير والإصلاح التي يحاول العالم الغربي والصهيونية الترويج لها لتبرير استمرار الاحتلال.
إن الإصرار على المُضي في سياسات البطش سيُعمِّق هذا الحصار السياسي والاقتصادي، ليثبت للجميع أن وَهْم التغيير لم يَعُد قادراً على حماية إسرائيل من تبعات أفعالها.
* وزير الصحة الأسبق