مصباح ديوجين
يُروى أن ديوجين، الفيلسوف اليوناني، خرج في وضح النهار يحمل مصباحاً، وحين سألوه عمّا يبحث، أجاب: «أبحث عن إنسان». لم يكن يجهل أن الناس يملؤون الطرقات، لكنه أراد فضح المسافة بين حقيقة الإنسان والصورة التي يقدمها عن نفسه. والمفارقة أن الفيلسوف الذي ازدَرى المظاهر بقي في الذاكرة بمشهد بالغ الاستعراض!
بعد أكثر من ألفي عام، يبدو أن المصباح انتقل إلى أيدينا جميعاً، لكننا لم نعد نبحث به عن الإنسان، بل نسلطه على أنفسنا، لنظهر أمام الآخرين بأفضل إضاءة ممكنة.
فلم يعد يكفي أن تكون ناجحاً، ينبغي أن يعرف الجميع أنك ناجح. ولم تعد الموهبة تضمن الاعتراف ما لم تُحسن عرضها. والأكثر دلالة أن تسويق الذات تسلل إلى عقلية الأجيال الحديثة، حتى أصبح التصوير والتلميع والتوثيق اليومي ممارسات تلقائية، لا تستدعي قراراً واعياً، فقبل أن يعيش البعض اللحظة، يفكر في كيفية عرضها، وكأن الجمهور أصبح شريكاً خفياً في تفاصيل الحياة.
وفي العمل، قد يمضي موظف سنوات ينجز بصمت، بينما يتقدمه زميل يجيد عرض مساهماته. وعلى «لينكدإن»، قد تتحول دورة قصيرة إلى «إنجاز استثنائي»، أو مشاركة عابرة في مؤتمر إلى محطة مفصلية في مسيرة مهنية.
وفي المقابل، ثمة قلة تبالغ في التواضع، وفاءً لقناعة أن الإنجازات تتحدث عن أصحابها. لكنهم قد يظلمون أنفسهم في عصر لا يكافئ الجدارة وحدها، بل القدرة على إظهارها أيضاً. وحين يحجب الصمت الاستحقاق، تتحول الفضيلة إلى عائق.
وإذا كان التسويق المهني مفهوماً فما الذي يدفع بعضنا إلى عرض سعادته العائلية بوصفها مثالية، أو استعراض رفاهية لا تعكس واقعه؟
نفسياً، تتداخل الحاجة إلى التقدير مع المقارنة الاجتماعية والخوف من التواري، لكن المبالغة تخلق فجوة بين الإنسان الحقيقي وصورته المنشورة، وكلما اتسعت اضطر إلى المزيد من التجميل، حتى يغدو أسير شخصية صنعها، ويتسلل إليه شعور بأنه مخادع، فهو أدرى الناس بما تخفيه الصورة.
وهكذا يتحول الإعجاب الخارجي إلى عبء داخلي، ويصبح الحفاظ على الانطباع أهم من تطوير الذات.
فما المخرج بين تواضع يحجب الاستحقاق وتسويق يزيّف الحقيقة؟ ليس الانسحاب من المشهد ولا الاستسلام له، بل عرض الإنجازات دون تضخيم، والاعتراف بحدود الخبرة دون خجل، وجعل التسويق تابعاً للعمل لا بديلاً عنه.
ولو أعدنا المصباح إلى ديوجين اليوم لربما بحث وسط الصور المصقولة عن إنسان لا يخجل من قيمته، ولا يختلق قيمة أخرى طلباً للإعجاب.
فليس أخطر من أن تنجح في إقناع العالم بصورة عنك، ثم تعجز عن تصديقها أنت.