تمديد التصويت في البرازيل وسط تقارب بين لولا وبولسونارو
مدّدت المحكمة العليا في البرازيل الأحد التصويت ساعتين في انتخابات تشهد منافسة شديدة بين السيناتور اليميني فلافيو بولسونارو والرئيس اليساري المنتهية ولايته لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الذي اشتكى من تعذّر وصول مواطنين إلى مراكز الاقتراع بسبب مشكلات في النقل.
وصدر القرار بعد دقائق من الموعد المقرر لإغلاق مراكز الاقتراع عند الخامسة عصرا بالتوقيت المحلي (20,00 ت غ)، وقضت المحكمة العليا بتمديد التصويت في أنحاء البلاد حتى السابعة مساء، مستندة إلى "خطورة الوقائع المعروضة".
وكان لولا (80 عاما) طلب من القضاء تمديد التصويت، قائلا إن 40 في المئة من الحافلات سُحبت من الخدمة في ساو باولو، وإن المشكلة نفسها سُجّلت في مدن عدّة بشمال شرق البرازيل، حيث تصدّر نتائج الجولة الأولى بفارق كبير، منددا بما يجري قائلا إن "أمرا مشينا يحدث".
وأمرت محكمة انتخابية إقليمية بتوقيف المسؤول عن النقل في مدينة سلفادور لعدم توفيره النقل المجاني يوم الانتخابات، فيما أفادت وسائل إعلام محلية بمنع 75 حافلة من مغادرة مرائبها في المدينة.
وطلب فلافيو بولسونارو (45 عاما)، نجل الرئيس السابق المسجون جايير بولسونارو، تمديد التصويت أيضا بسبب الأمطار الغزيرة في جنوب البرازيل وجنوب شرقها، حيث تتركز قاعدة واسعة من مؤيديه.
وستكون هذه المعركة الانتخابية الأخيرة للولا الذي سيبلغ 81 عاما الأسبوع المقبل ويأمل في تحقيق تحول في مجرى التصويت بعدما حلّ ثانيا في الجولة الأولى خلف نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو.
وأظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تقاربا شديدا بين المرشحَين.
بعد الإدلاء بصوته في أحد مراكز الاقتراع في ريو دي جانيرو، قال بولسونارو "لا يمكن للبرازيل أن تستمر أربع سنوات أخرى على هذه الحال. حياة الجميع ازدادت سوءا"، داعيا إلى إحداث "تغيير حقيقي".
من جهته، قال لولا بصوت متهدج بعد الادلاء بصوته إن على الناخبين "أن يختاروا بلدا يتم فيه احترام العلم".
وقدّم لولا الذي يسعى للفوز بولاية رابعة، نفسه كحصن منيع في وجه التدخل الأميركي وتراجع الديموقراطية، وتعهّد توسيع نطاق الحماية الاجتماعية.
ستحدد جولة الإعادة الأحد ما إذا كانت البرازيل ستبقى من الدول القليلة التي يحكمها اليسار في أميركا اللاتينية، أم ستنضم إلى موجة التحول نحو اليمين في المنطقة التي يدعمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وردا على سؤال الأحد عن الانتخابات البرازيلية، اكتفى ترامب، حليف جايير بولسونارو، بالقول "نحن نراقب، نعم".
أما بولسونارو فتعهد مكافحة الجريمة بحزم وخفض الإنفاق الحكومي، مع تسليم البرازيل إلى "الرب يسوع المسيح" مع طرح رؤية للتغيير نالت تأييد البرازيليين الباحثين عن نهج جديد.
وقالت ماريا فرناندا إليسباو (21 عاما) لوكالة فرانس برس "تحتاج البرازيل إلى مزيد من الوقت مع لولا، خصوصا أن البلاد على وشك الوقوع في براثن الفاشية". وأدلت بصوتها في ساو برناردو دو كامبو، معقل الزعيم اليساري، قرب ساو باولو.
وحرص بولسونارو على تقديم نفسه باعتباره أكثر اعتدالا من والده جايير الذي يمضي عقوبة بالسجن لمدة 27 عاما بتهمة محاولة تنفيذ انقلاب بعد هزيمته أمام لولا في انتخابات العام 2022.
وتعهد أنه في حال انتخابه، سيكون أول إجراء يتخذه إطلاق سراح والده، وهو شخصية تثير انقساما حادا في البرازيل، وكان لإرثه حضور طاغ خلال الحملة الانتخابية لابنه الأكبر.
وعقب الهزيمة في الجولة الأولى، تحرك اليسار بقوة ونظم تجمعات حاشدة تحت شعار "لن نسمح بعودة بولسونارو أبدا" ذكر المشاركون فيها بالإدارة الفوضوية للرئيس السابق لجائحة كوفيد-19، وتدميره غابات الأمازون المطيرة، وتقليصه البرامج الحكومية والخدمات العامة.
وتراجعت إزالة الغابات في الأمازون، أكبر غابة استوائية مطيرة في العالم، إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة عقود في عهد لولا.
لكن رغم الحرائق التي أجّجتها ظاهرة إل نينيو المناخية في أنحاء الأمازون خلال الأسابيع الأخيرة، والأمطار الغزيرة التي هطلت على جنوب البلاد، لم يحظ تغيّر المناخ باهتمام يُذكر في الحملة الانتخابية.
- سياسات مثيرة للجدل -
عاد لولا الذي يحظى بتقدير بفضل برامج الرعاية الاجتماعية التي انتشلت الملايين من الفقر، إلى سدة الحكم في انتخابات العام 2022، بعد فضيحة فساد كبرى أدت إلى سجنه لأكثر من 18 شهرا.
وبقيت التهم التي أُسقطت لأسباب إجرائية، تلاحقه.
وخلال ولايته الثالثة، شهدت البرازيل انخفاضا في معدلات التضخم والبطالة، كما انتشل الملايين من براثن الجوع، لكنّ الناخبين يشكون من ارتفاع تكاليف المعيشة، كما ضاقوا ذرعا بانتشار الجريمة.
وأصبحت سياسات لولا الاجتماعية الشهيرة مصدر توتر، إذ عمد إلى توسيع برامج الرعاية الاجتماعية خلال حملته الانتخابية فيما يطالب منتقدوه بأن تكبح الحكومة الإنفاق.
وقال والتر دوس سانتوس البالغ 56 عاما والذي يعيش في شمال شرق البرازيل وهي منطقة تعدّ معقلا للرئيس الذي يتحدر منها "حتى وإن وصفها البعض بأنها مجرد منح أو مساعدات، فقد كانت بالنسبة إلينا عونا هائلا. لأن من ذاق طعم الجوع يدرك تماما أهمية هذه البرامج، ولا يعتبر وجودها أمرا مسلّما به".
- مرحلة مضطربة -
بعد الضربة التي تلقاها في الجولة الأولى، أعاد لولا صوغ استراتيجيته على وسائل التواصل الاجتماعي، ولجأ إلى تسجيل مقاطع فيديو له، واشترى أول هاتف محمول.
واندلعت معركة محتدمة على وسائل التواصل طالت مجموعة "ميتا" المالكة لتطبيقات "واتساب" و"فيسبوك" و"إنستغرام"، إذ اتهمتها حملة لولا بالانحياز لمنافسه من خلال "التلاعب الخوارزمي".
ونفت "ميتا" ذلك، لكنها أقرت بأن بعض الإعلانات الخاصة بحملة لولا أوقفت عن طريق الخطأ بسبب مشكلات تقنية.
وأيّا كان الفائز، فإن البرازيل مقبلة على مرحلة صعبة ومضطربة بعد الانتخابات.
وقال المحلل السياسي توماس تراومان "إذا فاز اليسار، سيواجه أربع سنوات في ظل كونغرس معاد وتهديدات بالعزل"، مشيرا إلى المكاسب التشريعية الواسعة التي حققها اليمين.
وأضاف "إذا فاز اليمين المتطرف، فستكون حكومة قائمة على الانتقام، تستهدف المحكمة العليا" التي يخاصمها اليمين بشدة منذ إدانتها جايير بولسونارو بتهمة محاولة الانقلاب.
وقال فلافيو بولسونارو إنه سيسعى لعزل قاضي المحكمة العليا ألكسندر دي مورايس الذي قاد القضية المقامة على والده.