المؤقت الذي صار دائماً

نشر في 26-10-2026
آخر تحديث 25-10-2026 | 17:49
 د. أحمد فاتح محمد

في العراق لا شيء يدوم مثل المؤقت. تشكل لجنة عليا بأمر من الديوان أو بقرار من مجلس الوزراء لمعالجة أزمة بعينها، فتمنح صلاحيات واسعة وميزانية مفتوحة، ثم تنتهي الأزمة ويبقى الختم وتتكرر الحكاية مع كل ملف: كهرباء، أو نازحون، أو إعمار أو خدمات.

والمشكلة أن هذه اللجان تعمل في منطقة رمادية بين التنفيذ والتشريع. فالدستور رسم لكل سلطة حدودها وحدد الوزارات والهيئات التي تتولى شؤون الدولة، أما اللجنة العليا فتأتي من خارج هذا الرسم. لا قانوناً أنشأها بمعناه الدقيق، ولا نصاً يحدد مدتها أو ينهي ولايتها، ولا جهة رقابية تسألها كما تسأل وزارة.

وحين تسحب صلاحيات وزارة وتمنح للجنة، يتغير ما هو أعمق من الشكل الإداري، فالوزير يستجوب في البرلمان ويمكن إعفاؤه، أما رئيس اللجنة فلا يقف أمام أحد. وموازنة الوزارة تناقش بنداً بنداً، أما أموال اللجنة فقد تصل من أبواب متفرقة ولا يجمعها تقرير واحد. وهكذا لا يعرف المواطن أين يشكو، ولا من يحاسب، ولا أين تذهب الأموال.

وقد يقال إن الاستعجال يبرر ذلك، فالبيروقراطية بطيئة والأزمات لا تنتظر، وهذا صحيح في اللحظة الأولى، لكن الاستثناء إذا طال صار قاعدة، ففي العراق شكلت اللجنة العليا للإعمار والتنمية في المحافظات المحررة بقرار من مجلس الوزراء، لتتولى ملفاً كان يُفترض أن تديره الوزارات والمحافظات، وبعد سنوات لم يعرف الرأي العام متى تنتهي مهمتها، ولا كيف تراجع قراراتها.

والسؤال القانوني هنا بسيط: ما السند الذي تستند إليه اللجنة في كل قرار تتخذه؟ وإلى أي جهة تقدّم حسابها؟ ومتى تنتهي مهمتها؟

فإن لم تكن لهذه الأسئلة إجابات مكتوبة فنحن لا نتحدث عن لجنة، بل عن سلطة قائمة بلا عنوان. والحل لا يحتاج إلى اختراع: قانون واضح يحدد شروط تشكيل أي لجنة عليا، ومدتها، وميزانيتها، وجهة الرقابة عليها، وتاريخ انتهائها، فالدول تُقاس بمؤسساتها الدائمة، وما لم يُغلق هذا الباب سيبقى المؤقت هو الأصل.

* كاتب عراقي

back to top