الأغلبية الصامتة: دولة بجيشين
إن مبدأ احتكار الدولة لأدوات القوة العسكرية هو الركيزة الأساسية لسيادتها واستقرارها السياسي، وعندما يتشكل في دولة ما «جيشان» أو مركزان عسكريان متوازيان ومستقلان في اتخاذ القرار والقيادة، فإن احتمال نشوب حرب أهلية أو صِدام مسلح بينهما لا يعود مجرد احتمال، بل يصبح حتمية تاريخية وسياسية تؤجلها التوازنات المؤقتة التي سرعان ما تتفجر مع أول شرارة صراع على السلطة.
ويشهد العالم منذ سنوات عدة حالة من التصادم المسلح بين قوتين داخل البلد، فمثلاً في السودان، تدور حرب طاحنة بين القوات المسلحة الحكومية وقوات الدعم السريع التي تشكّلت كقوة موازية للجيش النظامي بموجب تقنين رسمي، وتمتعت بتمويل وأسلحة واستقلالية إدارية منفصلة عن قيادة الجيش السوداني.
وقد برز الخلاف تدريجياً بعد الإطاحة بنظام البشير السابق عام 2019م، وتنامي طموحات القيادتين حول «المدى الزمني لدمج الدعم السريع داخل الجيش الموحد» ومن يقود الآخر، مما أدى مباشرة إلى تفجر حرب أهلية مدمرة بدأت في أبريل 2023م.
في ليبيا انقسمت البلاد مؤسساتياً وعسكرياً عقب سقوط نظام القذافي السابق عام 2011م، وتوزعت القوة بين تشكيلات عسكرية ومجموعات مسلحة موالية لحكومة الغرب في طرابلس، وبين «القوات المسلحة العربية الليبية» بقيادة معسكر الشرق، وأدى وجود قيادتين عسكريتين وجيشين واقعيين برؤوس متعددة إلى جولات طويلة متكررة من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة الساعية لفرض السيطرة على العاصمة والموارد النفطية.
وأخيراً تبرز في لبنان حالة من الترقب المستمر بين الجيش اللبناني وميليشيات حزب الله، وتاريخياً انقسم الجيش اللبناني على أسس طائفية إبان الحرب الأهلية (1975-1990) وظهرت جيوش وميليشيات حزبية موازية تفوق الجيش النظامي قوة، مما جعل الحرب مستمرة حتى تمت تصفية الميليشيات وإعادة توحيد الجيش بموجب اتفاق الطائف.
ولم يبق غير «حزب الله» الذي احتفظ بترسانة عسكرية مستقلة موازية للجيش اللبناني، واستمر بالعمل خارج إطار الدولة كذراع تابعة للنظام الإيراني.
غالباً ما تبحث الجيوش الموازية غير النظامية عن مصادر تمويل مستقلة (ذهب، نفط، تهريب، مخدرات... إلخ)، مما يضعها في خط مواجهة آخر مع الدولة والجيش النظامي الذي يرى في ذلك خروجاً عن السيادة.
في الختام إن وجود جيشين في دولة واحدة هو وصفة جاهزة وموقوتة لاندلاع الحرب الأهلية، والتاريخ يشهد بأن الاستقرار لا يعود إلى هذه الدول إلا عبر تفكك الدولة، أو نشوب حرب كسر عظم تنتهي بقضاء طرف على الطرف الآخر وإعادة بناء الجيش والدولة من رماد ما تبقى في عقيدة واحدة موحدة.