الكويت والاتفاقات الأمنية
تمر الولايات المتحدة الأميركية بمتغيرات جوهرية في نسيجها الاجتماعي والسياسي في الوقت الراهن ولأسباب عديدة منها الولاية الرئاسية الحالية التي أنهكت الرأي العام الأميركي والعالمي، والإبادة الوحشية لإخواننا الفلسطينيين في غزة، وارتفاع الأسعار بشكل عام، ووعي مختلف للجيل الأميركي الجديد مع وجود نقل مباشر من «السوشيال ميديا» يكشف الكثير من الأمور. وفي الضفة الأخرى تمر أوروبا بمرحلة صعبة وقد تكون طويلة تجلّت ملامحها في المظاهرات الأخيرة في فرنسا وإيطاليا واليونان بسبب غلاء المعيشة وتردّي الخدمات الصحية والتعليمية.
مَن يتابع الأخبار الأجنبية في وسائل الإعلام مثل «ال بي بي سي» و«فرانس 24» و«سي إن إن» وغيرها ويستمع إلى حلقات النقاش والتحليل مع مفكرين وأكاديميين سياسيين قد يستشف أن هناك تداعيات قوية قادمة في المشهد السياسي الغربي التي قد تفرز حكومات يسارية في بعضها، ويمينية متطرفة في بعضها الآخر، ولعل مفاجأة نجاح اليمين المتطرف في الانتخابات الإقليمية الألمانية التي قد تؤدي إلى نجاح أكبر في الانتخابات العامة دليل على ذلك.
ولعل من المثير للاهتمام أن موجة اليسار الديموقراطي التي في أميركا، على سبيل المثال، وموجة اليمين المتطرف في بعض الدول الأوروبية تتفقان على شي واحد، ألا وهو عدم صرف المليارات على حماية دول أخرى والانكفاء نحو الداخل والتراجع عن الالتزامات والاتفاقيات الأمنية الخارجية التي لا تعنيهم. وهنا نأتي إلى صلب الموضوع.
تزامن خبر وصول الرئيس الفرنسي ماكرون إلى الخليج العربي في زيارة رسمية لتوقيع اتفاقيات أمنية مع تأكيد أميركي متكرر أن أميركا ملتزمة بأمن الدول الخليجية. ولكن في المقابل نشرت «الفايننشال تايمز» تقريراً منذ شهرين تذكر فيه أن القوات الأميركية ستقلص قواتها وقواعدها في الدول الخليجية «إلى مستويات غير مسبوقة منذ قبل غزو العراق عام 2003... وسط تساؤلات حول مستقبل (عقيدة كارتر) التي حكمت الوجود العسكري الأميركي في الخليج منذ عام 1980». ويبدو بذلك أن الحكومة الأميركية بدأت تأخذ مزاج توجه الرأي العام الأميركي على محمل الجد لا سيما في ظل توقعات نتائج الانتخابات المرحلية في نوفمبر التي تتنبأ بموجة نجاح عارمة للديموقراطيين قد تقلب موازين القرارات في مجلس الشيوخ والكونغرس.
في حال تغيرت الإدارات في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية في المستقبل، فمن المحتمل أن نشهد تراجعاً أو إعادة تقييم للاتفاقيات الأمنية بينها وبين الدول الخليجية، وعليه فإن هذا يفرض علينا التفكير الاستباقي في بدائل موفقة. وربما هذا ما دفع بعض الدول الخليجية لتوقيع اتفاقيات دفاع مع دول أخرى مثل باكستان وتركيا وسنغافورة وغيرها.
ولكن من الجانب الآخر، ربما على دول مجلس التعاون الخليجي التفكير في خطوة أبعد من ذلك من خلال بناء شراكات أمنية أخرى مع دول عظمى - مع كل الاحترام للدول المذكورة أعلاه -، تتميز بأن يكون اقتصادها متيناً، وحكومتها مستقرة وتتمتع باستقرار سياسي يمتد للمدى المتوسط إن لم يكن البعيد، ولديها البعد الجغرافي العالمي وترسانة عسكرية متقدمة وتكنولوجيا متفوقة في الأمن السيبراني كالصين على سبيل المثال، إن لم تكن هناك عوائق جوهرية تجعل هذا الخيار غير وارد.
والتاريخ يثبت لنا أن كل امبراطورية أو قوة مهيمنة عالمياً لها تاريخ إنتاج وتاريخ انتهاء. كما ذكرت في مقالة سابقة دور وزارة الخارجية في تقديم الحلول لرئاسة الوزراء لسيناريوهات متعددة حول آلية حماية الكويت ودراسة الخيارات المتاحة، وربما من المجدي كذلك إنشاء قسم متكامل من المحللين والخبراء في الشؤون الاستراتيجية العالمية، وبالإمكان الاستعانة بنخبة من المفكرين والسياسيين ممن شغلوا مناصب قيادية سابقة في هذا المجال للمشاركة في هذا الجهد الوطني وتحقيق الغاية الأسمى: حماية الكويت.
حفظ الله الكويت شعباً وحكومةً في ظل قيادة صاحب السمو الأمير حفظه الله ورعاه.