صدى في رؤوس فارغة
بين الفينة والأخرى نسمع أصواتاً تفتقر إلى الرشد وتجد لها صدى في رؤوس فارغة يردد أصحابها ما يسمعون من غير وعي أو تبصر، وتجد هذه الدعوات أرضاً خصبة يبذر فيها الجهل فتنبت أفكار يستحسنها البعض حتى يظنها من أصول المجتمع ومكوناته، ومن ذلك الدعوة إلى خلع الحجاب والنقاب، والمطالبة بسن تشريعات تمنع ارتداءهما، وكأن طريق التقدم يمر حتماً بالتخلي عن الستر، وكأن الوقار عائق أمام النهوض.
وقد أعادتني هذه الدعوات إلى ما درسته عام 2011 أثناء مرحلة الماجستير من أحكام مجلس الدولة الفرنسي ومنها حكمه في قضية شركة أفلام لوتيتيا الصادر في 18 ديسمبر 1959 الذي يستشهد به في بحث الآداب العامة وصلتها بالنظام العام، فقد أيد المجلس قرار عمدة نيس بمنع عرض فيلم حاصل على ترخيص وزاري استناداً إلى طابعه غير الأخلاقي
ثم جاء حكم مورسان سور أورج الصادر في 27 أكتوبر 1995 في القضية المعروفة برمي الأقزام، ليقرر أن احترام كرامة الإنسان أحد عناصر النظام العام، فقد أجاز منع عرض ترفيهي يتخذ من شخص قصير القامة أداة يقذف بها للتسلية رغم رضاه ومقابلته بأجر، ولئن اختلف موضوع هذا الحكم عن مسألة اللباس فإن دلالته أن إرادة الفرد ليست وحدها المعيار في كل نشاط وأن للكرامة الإنسانية حرمة تستحق الحماية القانونية
وفي سياق الستر والوقار اطلعت على مؤلفات تتناول تاريخ الأغطية في أوروبا ومنها كتاب المؤرخة نيكول بيلغران الحجب تاريخ من العصور الوسطى إلى المجمع الفاتيكاني الثاني الصادر سنة 2017، وهو من التراث الغربي الذي كاد يطويه النسيان، فتاريخ الغرب نفسه أوسع من الصور المختزلة التي يرددها بعض المعجبين به، وقد عرف الستر بأشكال ودلالات متعددة وإن اختلفت عن الحجاب والنقاب المعروفين اليوم.
وفي معاجم اللغة، كلمة Veil تدل في أحد معانيها على أنها نسيج ترتديه النساء لحماية الوجه أو إخفائه، وهذا شاهد لغوي على حضور غطاء الوجه في ثقافتهم، فالحشمة والوقار والفضيلة تستجيب لفطرة غرسها الله في بني آدم ويقع علينا أن نصونها بالقدوة والتربية وحسن الخطاب.
ومن هنا فإن ندائي إلى أهل الرشد والرشاد في تلك الدول وإلى أصحاب الفكر والقلم والتشريع فيها: أعيدوا إلى النقاش إنصافه، واقرؤوا تاريخكم بالقدر نفسه الذي تنظرون به إلى حاضر غيركم. اجعلوا للمرأة التي تختار الستر صوتاً مسموعاً، واحفظوا لها كرامتها وحقها في التعبير عن معتقدها وإلى من كان لهم صوت في هذه الدعوات أقول إن للكلمة مسؤولية وللتشريع أثراً يتجاوز صاحبه فليكن صوتكم عوناً على الفهم ودعوة إلى الاحترام وحماية لكرامة الإنسان في اختياره وقناعته.