أعمال شغب تغذّيها مشاعر الاستياء في فرنسا
من الثورة الفرنسية نستمد مصطلحي «اليسار» و«اليمين»، وهما تسميتان ارتبطتا بترتيبات الجلوس داخل الجمعية الوطنية آنذاك. وبعد كل هذه السنوات، لا يزال موقفك من الثورة الفرنسية مؤشراً جيداً إلى موقعك على محور اليمين واليسار. فبالنسبة إلى التقدميين، كانت الثورة اللحظة التي خطت فيها البشرية إلى النور، أما المحافظون التقليديون فيرون فيها بداية النهاية.
ويرى كثيرون، من اليمين واليسار على السواء، خيطاً واضحاً يربط تلك الثورة بحالة الاضطراب التي تشهدها فرنسا اليوم، بل إن أحد الآراء الكسولة التي كثيراً ما يرددها بعض أصحاب النزعة المعادية لفرنسا في العالم الأنغلوسكسوني هو أن الفرنسيين يعشقون أعمال الشغب ببساطة. فاليوم الوطني الفرنسي يحيي ذكرى اقتحام الباستيل، كما أن النشيد الوطني والعلم الفرنسي يستمدان جذورهما من الثورة. لذلك، ينظر بعضهم إلى الصور التي انتشرت الأسبوع الماضي من ساحة الباستيل في باريس، حيث غطّت الكتابات الجدارية عمود يوليو، بينما احتفل شبان مبتهجون في المكان، ويرون في ذلك مشهداً ينسجم تماماً مع التاريخ الفرنسي. أنتم تمجّدون انتصار مواطنيكم على حكومتكم؟ حسناً، بالهناء والشفاء!
وانطلاقاً من تقاليدي المحافظة البريطانية، أعتقد عموماً أن الثورة الفرنسية كانت أمراً سيئاً، فقد ارتُكبت خلالها فظائع أتمنى حقاً لو أنني لم أقرأ عنها قط، لأن الصور التي رسمتها في ذهني يصعب محوها، فالمجازر الجماعية التي استهدفت المدنيين في منطقة فونديه، على سبيل المثال، يمكن اعتبارها إبادة جماعية.
لكنني سأكون منصفة لثوار القرن الثامن عشر في نقطة واحدة: كانت لديهم مظالم مشروعة، فالذين اقتحموا الباستيل كانوا فقراء، لا بمعنى أنهم أقل ثراءً من غيرهم فحسب، بل فقراء فقراً مدقعاً؛ من ذلك النوع الذي قد يضطر فيه المرء إلى مشاهدة أطفاله يموتون لأنه لا يملك ما يكفي لإطعامهم. ففي صيف عام 1789، أدت أزمة غذائية كارثية إلى ألا يتوافر للبيع في باريس سوى الخبز الأسود الحامض. والناس يتصرفون على نحو مختلف تماماً عندما يعيشون في مثل هذه الظروف.
لكن الأمر لا ينطبق على الذين يخرجون إلى شوارع المدن الفرنسية هذا الشهر. فالذين يلطخون المعالم العامة بعبارات مستوردة من الولايات المتحدة، مثل «ACAB»، وهي اختصار لعبارة تعني أن «جميع رجال الشرطة أوغاد»، ليسوا جائعين، فالدولة الفرنسية من أكثر دول العالم سخاءً في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، إذ تتجاوز نفقات الحماية الاجتماعية 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أعلى النسب في أوروبا. وهذا مستوى من الوفرة كان سيبدو خيالياً بالنسبة إلى فلاح عاش قبل قرون.
وعلى الرغم من الشكاوى من تدهور البنية التحتية للمدارس الفرنسية، فقد بُذلت جهود فعلية طوال الأربعين عاماً الماضية لتخصيص تمويل أكبر للمدارس في المناطق الأكثر فقراً. ولنتأمل، مثلاً، التجهيزات الحديثة والفاخرة في ثانوية «نيلسون مانديلا الدولية» بمدينة نانت، التي كلف بناؤها 75 مليون يورو عام 2014، قبل أن يقدم مشعلو الحرائق على تدميرها.
أما الذين نهبوا المتاجر في باريس، خلال عطلة نهاية الأسبوع، فلم يكونوا مثل جان فالجان، بطل رواية فيكتور هوغو «البؤساء»، الذي سرق رغيف خبز لإطعام أطفال جائعين. لقد كانوا يحطمون واجهات متاجر «لويس فويتون» لسرقة الملابس الفاخرة.
لا شك في أن سخاء الدولة الفرنسية يتراجع بمرور الوقت، مع نضوب الموارد المالية العامة. وكما قال زميلي جو ستيرنبرغ الأسبوع الماضي: «يؤسفني أن أقول إن فرنسا مفلسة». ومخاوف تقلّص سخاء الدولة هي التي دفعت إلى الاحتجاجات الجماهيرية السلمية التي شارك فيها نقابيون وطلاب، قلقون على تمويل التعليم وارتفاع تكاليف المعيشة.
ومن حق الشباب الفرنسي أن يخشوا ألا يحصلوا على أنظمة التقاعد التي استفاد منها آباؤهم وأجدادهم، كما أن من حقهم ملاحظة أن التضخم يلتهم دخولهم ومدخراتهم.
لكن هؤلاء المحتجين السلميين ليسوا سوى فئة واحدة من بين أطراف عدة تتحرك في المشهد. فإلى جانبهم، هناك ناشطون من أقصى اليسار شنوا هجوماً منظماً على السلطات الفرنسية. وهؤلاء الناشطون أكثر ميلاً، مقارنة بعامة السكان، إلى الحصول على شهادات جامعية، بل إن كثيرين منهم يحملون شهادات دراسات عليا.
وإذا كانت هناك جماعة يمكن اعتبارها وريثة ثوار فرنسا، فقد تكون هذه الجماعة تحديداً. لكنها لا تشبه فقراء الفلاحين في الماضي بقدر ما تشبه المثقفين من الطبقة الوسطى الذين تولوا قيادة الثورة. ويُشتبه في أن ناشطين من هذا النوع يقفون وراء إحراق مبنى البلدية الأنيق في مدينة ليموج الصغيرة، في فعل يرمز إلى ما يشبه قتل الأب رمزياً، ويكشف عن استياء عميق من فرنسا القديمة ومؤسساتها.
وهناك أيضاً فئة أخرى تختلف عن سابقتيها من حيث التركيبة السكانية والأيديولوجية. وكما أشار المؤرخ أندرو هاسي، فإن هؤلاء «مهاجرون من الجيل الرابع أو الخامس»، في وصفه للشباب الذين يعيشون في الضواحي المضطربة المحيطة بالمدن الفرنسية.
ويقول هاسي إنهم «يشعرون بأنهم في حالة حرب مع الدولة التي يعتقدون أنها تحتقرهم، وهم بدورهم يحتقرونها».
يتحدر هؤلاء الشباب من عائلات عاشت تحت الحكم الاستعماري الفرنسي، لا سيما في إفريقيا، ويشعرون بقوة بهوياتهم المتشكلة في مرحلة ما بعد الاستعمار. وهذا ما يفسر ظهور الأعلام الجزائرية وسط الحشود، إلى جانب أعداد هائلة من الأعلام الفلسطينية؛ ذلك العلم الذي أصبح رمزاً للتضامن الإسلامي في أنحاء العالم، وكذلك للقضية اليسارية الجامعة التي تسعى إلى ربط مختلف قضايا النضال والاحتجاج في إطار واحد.
ومرة أخرى، فإن هؤلاء الشباب ليسوا فقراء بالمعنى المادي للكلمة، فهم يحصلون على الغذاء، وينتفعون بقدر كبير من الإنفاق الحكومي، لكن تلقي المساعدات الاجتماعية من الدولة الاستعمارية السابقة التي أخضعت أجدادك للحكم قد يولّد مزيجاً مؤلماً من الشعور بالإذلال والازدراء، بدلاً من الامتنان.
وقد ذهب عالم السياسة رونالد إنغلهارت إلى أن الناس، بعد تلبية احتياجاتهم المادية، يبدأون في الانشغال بقضايا الهوية والاحترام والتمثيل. أي انهم يدخلون في منافسات على المكانة الاجتماعية، حيث يُنظر إلى المكاسب باعتبارها لعبة محصلتها صفر: ما يكسبه طرف لا بد أن يخسره طرف آخر.
وهذا بالضبط ما يجري في فرنسا اليوم، فهذه ليست «أعمال شغب بسبب الخبز»، حتى إن أصر مثيرو الشغب على أنهم بحاجة إلى مزيد من أموال الدولة. والحقيقة أن المال ليس سوى وسيلة لاحتساب النقاط في الصراعات الاجتماعية المتعددة التي تنهش البلاد، سواء بين الطبقات أو الجماعات الإثنية أو الأجيال.
لا يبدو أن أياً من المشاركين في أعمال العنف هذه يعاني فقراً مادياً فعلياً، وهذا يعني أن دوافع مثيري الشغب اليوم ينبغي فهمها على نحو مختلف تماماً عن دوافع ثوار عام 1789.
فالثائر المعاصر لا تحرّكه المجاعة، بل مشاعر غامضة ومتراكمة من الاستياء والحسد والتنافس والمرارة والاحتقار. يا ليت الأمر لم يكن سوى صراع على الخبز! فحالات السخط النفسي الكامنة في قلب هذا الاضطراب أصعب بكثير على المعالجة، في نهاية المطاف، من مجرد توفير الغذاء أو زيادة الإنفاق الحكومي.
* لويز بيري