تقرير اقتصادي: تصاعد الدَّين العام... بين ضبابية البوصلة وتحديات الشفافية
• ناهز 13 مليار دينار بما يوازي نحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي وتضاعف 915٪
• وتيرة الاقتراض الحكومي متسارعة... حتى قبل اندلاع الحرب الإقليمية في المنطقة
• خلال 19 شهراً اقترضت الكويت نحو 43% من السقف المحدد للاقتراض
مع إعلان وزارة المالية، الأسبوع الجاري، إصدار الكويت سنداتٍ دولية بقيمة 3.25 مليارات دولار، (أي ما يناهز مليار دينار)، يكون إجمالي إصدارات الدَّين العام التي أصدرتها البلاد منذ إقرار قانون التمويل والسيولة في مارس 2025 قد ناهز 13 مليار دينار من البنوك المحلية والأجنبية، نحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي، أي حجم الاقتصاد الكويتي، بعد أن كانت النسبة قبل إقرار القانون لا تتعدى 5 بالمئة من الاقتصاد.
فحسب القانون رقم 60 لسنة 2025، الذي سمح للحكومة بالاقتراض بحد أقصى 30 مليار دينار، أو ما يعادله بالعملات الأجنبية وإصدار أدوات تمويلية بآجال استحقاق تمتد حتى 50 سنة، ارتفعت قيمة الدَّين العام في الكويت بما نسبته 915 بالمئة من 1.42 مليار دينار إلى 13 ملياراً، وهذا يعني أننا بلغنا خلال 19 شهراً نحو 43 بالمئة من السقف المحدد للاقتراض.
قبل الحرب
لم يكن التصاعد اللافت في الاقتراض السيادي مرتبطاً فقط بعوامل الحرب الإقليمية التي اندلعت في نهاية فبراير الماضي، إذ تشير البيانات الرسمية لوزارة المالية إلى أن حجم الاقتراض قبل الحرب (أي في يناير 2026) بلغ 8 مليارات دينار، مما يبيّن أن وتيرة الاقتراض متسارعة حتى قبل اندلاع الحرب.
إصدارات ومسارات
ويأتي التوسع في إصدارات الدين العام بالتوازي مع تنامي توجهات فتح مسارات متعددة الاقتراض والتمويل من خلال قوانين جديدة تضاف لقانون التمويل والسيولة (الدَّين العام)، مثل قوانين الاقتراض من صندوق احتياطي الأجيال القادمة، التي تتيح الأخذ من الصندوق السيادي كإحدى أدوات الاقتراض، وقانون الصكوك الإسلامية الذي ينوّع أدوات التمويل الحكومية وقانون التمويل العقاري بما يحتويه من دعم مالي تضمنه الدولة وتسدد فوائده نيابة عن الشريحة الأساسية المدعومة، فضلاً عن صفقة استثمارية ذات طبيعة تمويلية، هي صفقة شاهين، التي أعلنتها مؤسسة البترول الكويتية لتأجير شبكة خطوط الأنابيب المحلية بقيمة 16 مليار دولار مع تحالف صناديق استثمار عالمي.
وهذه كلها التزامات مستقبلية على خزينة الدولة بصيغ متعددة، وأيضاً كلها مرتبطة بمدى قدرة أسواق النفط المتقلبة على توفير عوائد مرتفعة تغطي الاقتراض وتكاليفه.
استسهال الاستدانة وضبابية الإنفاق دمّرا اقتصادات لبنان والأرجنتين وسريلانكا واليونان
لا مشكلة
وغنيّ عن القول إنه لا مشكلة في إصدارات الدين العام ولا حتى حجمها، إنما التوجس متعلق بكفاءة الاقتراض وحصافة إنفاقه، فضلاً عن شفافيته، فرغم مرور 19 شهراً على إقرار قانون الدين العام، لم يصدر أي بيان حكومي يوضح ما تم إنفاقه من أموال الاقتراض إن كان موجّهاً إلى تغطية مصروفات جارية لا عائد اقتصادياً لها كعجز الميزانية وما يرتبط به من رواتب ودعوم أو مصروفات تسمّى استثمارية، كالمناقصات وعمليات الشراء التي لا يتبين أثرها الاقتصادي والمالي بشكل عملي.
قياس وتوقعات
وبالقياس، فإن إعلان مجلس الوزراء قبل 3 أشهر عن عجز الحساب الختامي للسنة المالية 2025 - 2026، البالغ 7.14 مليارات دينار، قد تمّت تغطيته من الاحتياطي العام، فإنه يشير إلى استهلاك جزء من أموال الدين العام لتغطية العجز الفعلي في الحساب الختامي، خصوصاً أن الاحتياطي العام ممول بشكل جوهري من أموال الدَّين العام.
كذلك يؤخذ بعين الاعتبار أن توقعات العجز في ميزانية 2026 -2027، التي تم إعدادها بناء على تنبؤات ما قبل اندلاع الحرب الإقليمية وتداعياتها الاقتصادية والجيوسياسية ومصاعب الصادرات والواردات عبر مضيق هرمز قد بلغت 9.8 مليارات دينار، ومن المرجح أن تخلص السنة المالية إلى عجز مالي أعلى من المفترض، وبالتالي قد يتم استهلاك حجم أكبر لتغطية العجز.
عجز 2025 - 2026 سُدد من الاحتياطي العام الممول بشكل جوهري من أموال الدَّين العام
مخاوف وشفافية
ومما يرفع من وتيرة المخاوف بشأن الاستدانة وكفاءة إنفاق أموالها هو تراجع إصدارات البيانات الاقتصادية والمالية كعدم نشر تقارير ديوان المحاسبة، وتوقُّف الأمانة العامة للتخطيط والتنمية عن إصدار تقارير المتابعة الفصلية للخطة التنموية، وكذلك توقّف وزارة المالية عن إصدار تقارير المتابعة الشهرية لإيرادات ومصروفات الموازنة العامة، كما تبيّن من خلال موقع بنك الكويت المركزي رفع البيانات التاريخية لأدوات الدَّين العام التي تعكس حجم إصدارات الاقتراض المحلي شاملاً أسعار الفائدة، فضلاً عن سنوات الاستحقاق، والمأمول أن يكون ذلك نتيجة خلل فني في الموقع الإلكتروني لبنك الكويت المركزي، لا خفضاً متعمداً في الشفافية.
سياسات وأهداف
ومن المفيد القول إن حصافة إنفاق أموال الدين العام، خصوصاً في ظل تقلبات أسواق النفط ومصاعب تصديره، هي مسألة جوهرية بالغة الأهمية، وربما تتزايد العوامل الإقليمية والدولية التي تشكّل تأثراً وضغوطاً اقتصادية وسياسية علينا، دون أن يكون لدينا قدرات كبيرة في تشكيلها أو تغييرها، فلذلك لا أقل من أن توجّه أموال البلاد من الإيرادات أو الاقتراض إلى كل ما يعزز استدامة الاقتصاد والخدمات، بحيث تكون هناك خطوة معلنة وواضحة وذات كفاءة في السياسات والأهداف تحوّل كل دينار إلى استثمار لعوائد أكبر وفرص عمل وتنمية وتنويع لحجم الاقتصاد.
لذلك من المهم أن تعقد الإدارة الاقتصادية للدولة، من وزراء وهيئات، مؤتمراً مفتوحاً للمتخصصين والأكاديميين وذوي الخبرة لشرح خطة الدين العام وآليات إنفاقه ومستهدفاته الاقتصادية والمالية، وبيان كيفية خفض مخاطره وإعلان سياسات تضمن توجيه أمواله نحو تحقيق أهداف واضحة تتعلق بكفاءة الاقتصاد واستدامة الخدمات.
التوسع في إصدارات الدَّين العام يتوازى مع تنامي توجهات فتح مسارات متعددة الاقتراض والتمويل عبر قوانين جديدة
تاريخ ونماذج
ففي تاريخ الاقتصاد القريب، نجد أن استسهال الاستدانة وضبابية إنفاقها دمرت أو ضغطت بشكل مخيف على اقتصادات دول مثل لبنان والأرجنتين وسريلانكا واليونان، بينما حصافة الاستدانة وشفافية إنفاقها رفعت من كفاءة الاقتصادات الأوروبية والآسيوية أيضاً، والمحدد في كل حالة ونموذج هو حصافة الاقتراض، وكفاءة الإنفاق، وشفافية البيانات.