الحوكمة وقت الأزمات
الأزمات لا تصنع الخلل بل تكشفه، ففي الأوقات المستقرة قد تبدو المؤسسات متماسكة وتبدو أنظمتها وإجراءاتها قادرة على تحقيق أهدافها. لكن عندما تقع الأزمات تتراجع أهمية ما هو مكتوب على الورق ويبرز السؤال الحقيقي: هل تمتلك المؤسسة منظومة قادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية أم أن استقرارها كان يخفي خللاً لم يُختبر بعد؟
فالأزمات لا تصنع الخلل المؤسسي بالضرورة، بل تكشف ما عجزت الظروف الطبيعية عن إظهاره.
وهنا تتجلى الحوكمة بوصفها ضرورة مؤسسية لا مجرد لوائح تنظيمية. فحين تتداخل الصلاحيات وتتضارب التعليمات وتتأخر القرارات قد تتحول أزمة قابلة للاحتواء إلى أزمة تتسع تداعياتها ليس بسبب حجم الخطر وحده بل نتيجة غياب الوضوح والمساءلة.
إن سرعة الاستجابة لا تُقاس بسرعة إصدار القرارات، وإنما بقدرة المؤسسة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وهذه القدرة لا تولد لحظة وقوع الأزمة بل تُبنى مسبقاً من خلال وضوح المسؤوليات وتحديد الصلاحيات والتدريب المستمر واختبار خطط الطوارئ.
وعندما تتجاوز الأزمة حدود مؤسسة واحدة يصبح التنسيق بين الجهات اختباراً آخر للحوكمة. فقد تمتلك كل جهة الإمكانات والكفاءات اللازمة، ومع ذلك تفشل الاستجابة المشتركة بسبب تضارب الأدوار أو ضعف تبادل المعلومات، فكفاءة الأجزاء لا تعني بالضرورة كفاءة المنظومة كلها.
لكن الاختبار الأعمق يبدأ بعد انتهاء الأزمة فهل تُراجع القرارات؟ وهل تكشف أوجه القصور؟ وهل تتحول الدروس المستفادة إلى إصلاحات حقيقية؟ أم تُغلق الملفات بانتهاء الحدث لتبقى الأسباب ذاتها بانتظار أزمة جديدة؟
إن المؤسسة التي تبحث عمن يتحمل اللوم دون أن تبحث عن أسباب الخلل قد تعاقب فرداً وتُبقي منظومة كاملة معرضة للفشل.
ومن هنا تتضح العلاقة بين السلامة والحوكمة والاستدامة. فالسلامة تحدد المخاطر، وتسعى إلى الوقاية منها، والحوكمة تضمن وضوح المسؤوليات وفاعلية القرارات، والاستدامة تتعزز بقدرة المؤسسات على الصمود والتعافي واستمرار أداء مسؤولياتها.
إن قوة المؤسسات لا تقاس بقدرتها على إخفاء نقاط ضعفها بل بشجاعتها في كشفها ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمات.
فالأزمة قد تكون حدثاً طارئاً، أما تكرار الإخفاقات دون إصلاح فهو مؤشر على خلل في الحوكمة لا يمكن تبريره بالظروف.