القرية التراثية... مَن المستفيد من عشرين عاماً من التعطيل؟

نشر في 20-10-2026
آخر تحديث 19-10-2026 | 17:54
 ضاري المير

أكثر من عشرين عاماً، ومشروع القرية التراثية في قلب العاصمة الكويتية يقف شاهداً على مسلسل طويل من التعثر الإداري، وغياب المحاسبة، وضياع الفرص الاقتصادية والسياحية. عشرون عاماً تبدلت خلالها الحكومات والوزراء والمسؤولون، وبقي المشروع حبيس القرارات والمراسلات والوعود، وكأن الزمن توقف عند بواباته! السؤال لم يعد: متى تنتهي القرية التراثية؟ بل مَنْ المستفيد من بقائها معطلة كل هذه السنوات؟ ومَن المسؤول عن هذا الهدر؟ ومَن الذي سمح بتحويل مشروع وطني إلى ملف مفتوح بلا نهاية؟ مشروع بدأ عام 2004، وكان يفترض إنجازه عام 2007، لكنه تحول إلى قصة من التأجيل والتعقيدات التعاقدية وتبادل المسؤوليات. والأغرب أن كل هذه السنوات لم تكن كافية لإنهاء الخلافات أو إيجاد حل نهائي يعيد المشروع إلى الحياة. هل يعقل أن دولة بحجم الكويت، وبما تمتلكه من إمكانات مالية وإدارية وهندسية، تعجز عن إنجاز قرية تراثية؟ أم أن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في منظومة إدارية اعتادت أن يمر الفشل دون حساب، وأن تختفي المسؤولية بين المكاتب واللجان؟ مَن المستفيد من تجميد أرض بهذه القيمة في قلب العاصمة؟ ومَن المستفيد من تعطيل فرص الاستثمار والسياحة والتوظيف؟ وهل دُرست الخسائر التي تكبدتها الدولة نتيجة عدم استغلال الموقع؟ وهل جرى تحديد المسؤوليات عن كل سنة تأخير؟ هذه ليست أسئلة عابرة، بل أسئلة تتعلق بالمال العام وحقوق المواطنين، ولا يجوز أن تكون الإجابة عنها مجرد تصريح صحافي أو وعد حكومي جديد. الأخطر أن المشروع مر بمراحل من الخلافات والقرارات، وصولاً إلى فسخ العقد عام 2019، ومع ذلك لم تنتهِ المشكلة. فهل كان فسخ العقد حلاً فعلياً أم مجرد انتقال من مرحلة تعطيل إلى أخرى؟ وأين الجهات الرقابية طوال هذه السنوات؟ وأين تقارير المحاسبة والمساءلة؟ ولماذا لم تُعلن للرأي العام تفاصيل ما جرى؟ إن الحديث المتكرر عن تحويل الكويت إلى مركز سياحي وثقافي يفقد الكثير من مصداقيته عندما تعجز الجهات المعنية عن معالجة مشروع واحد مضى عليه أكثر من عقدين. فلا قيمة للاستراتيجيات السياحية إذا كانت المشاريع القائمة تتحول إلى هياكل صامتة، ولا معنى للحديث عن تنمية العاصمة بينما تبقى مواقعها الحيوية خارج دائرة الإنجاز. والأدهى أن أحداً لا يقدم حساباً واضحاً عن السنوات الضائعة، وكأن تعطيل المشاريع الحكومية أمر طبيعي لا يستوجب المساءلة. نحن لا نتهم أشخاصاً بالاستفادة من التعطيل دون دليل، لكن استمرار هذا الوضع يفرض كشف جميع العقود والتمديدات والمخاطبات والغرامات والتكاليف، وتحديد من اتخذ القرارات ومن تسبب في التأخير، ومن كان يملك صلاحية إنهائه ولم يفعل. لقد حان الوقت لإنهاء ثقافة الإفلات من المسؤولية، فلا يجوز أن يدفع الوطن ثمن الأخطاء الإدارية، ثم يخرج الجميع من المشهد بلا مساءلة. القرية التراثية ليست مجرد مشروع معطل، بل قضية مال عام وإدارة ومحاسبة. ومن حق الكويتيين معرفة من عطّلها، ولماذا تعطلت، ومن يتحمل فاتورة عشرين عاماً من الفرص الضائعة. فإذا لم يُحاسب أحد على هذا التعطيل، فما الذي يمنع تكراره في عشرات المشاريع الأخرى؟ والسؤال الأخير: هل تعطلت القرية التراثية وحدها، أم تعطلت معها منظومة المحاسبة؟

back to top