تعديل الدستور بظل برّاك
تجاوزت مبادرة رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان لدعوة مجلس النواب إلى مراجعة أحكام الدستور العراقي الأطر القانونية التقليدية، لتفتح باباً واسعاً على مرحلة جديدة تتقاطع فيها الحسابات القضائية مع الإرادات الدولية. ففي الذكرى الحادية والعشرين للاستفتاء على دستور 2005، دعا زيدان إلى معالجة مواطن الخلل التي كشفتها التجربة، خصوصاً ما يتعلق بالأغلبيات البرلمانية وانتخاب رئيس الجمهورية وتحديد الكتلة النيابية الأكثر عدداً، مؤكداً أن احترام الدستور يقتضي تحديث نصوصه وفق الآليات الدستورية ذاتها.
لا يمكن فصل هذه المبادرة عن السياق الذي سبقتها بأيام قليلة. فاللقاء الذي جمع زيدان بالمبعوث الأميركي توم برّاك في 12 أكتوبر لم يكن مجرد تبادل مجاملات دبلوماسية، بل كان محطة لتثبيت رؤية واشنطن حول ضرورة وجود مؤسسات قادرة على حسم الملفات بعيداً عن تقلبات البرلمان. برّاك، الذي شدد على أن القضاء المستقل ركيزة السيادة والاستقرار، وجد في زيدان مخاطباً يمتلك أدوات التأثير الفعلي، لا شعارات السياسة اليومية. من الناحية القانونية تندرج دعوة زيدان ضمن اختصاصات مجلس القضاء في حماية النظام الدستوري، لكنها تحمل بعداً سياسياً واضحاً. فالتعديلات المقترحة تستهدف مواد أثارت جدلاً مزمناً وأسهمت في تعطيل استحقاقات دستورية، ما يعني إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية بما يضمن استقراراً أطول أمداً. وفي الوقت نفسه، تتقاطع هذه الدعوة مع أولويات الإدارة الأميركية المتمثلة في حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد وتأمين بيئة استثمارية آمنة.
يضع هذا التزامن النظام السياسي العراقي أمام معادلة دقيقة: كيف يوازن بين السيادة الوطنية والالتزامات الدولية؟ الإجابة لن تأتي من قاعات التشريع المزدحمة وحدها، بل من الأروقة الهادئة حيث تصنع القرارات الحاسمة. مبادرة زيدان ليست مجرد تصحيح دستوري بل إشارة إلى أن المرحلة المقبلة تكتب بصياغة مشتركة بين الإرادة القضائية المحلية والرؤية الدولية التي يمثلها برّاك في الخلفية.
* كاتب عراقي