بقايا خيال: تشويه الهوية الكويتية وتخريب التراث

نشر في 19-10-2026
آخر تحديث 18-10-2026 | 17:42
 يوسف عبدالكريم الزنكوي

بعث إليّ أحد الأصدقاء كادراً ملوناً كتب عليه كلمتَي «صباح الخير» على خلفية عبارة عن حي كويتي قديم، ظهر فيه أطفال ذكور يلبسون دشاديش غير الدشاديش التي عرفها المجتمع الكويتي بقديمه وحديثه.

فقد رسم صاحب هذه اللوحة الفنية أطفالاً (صْبَيَّانْ) يرتدون الغترة والعقال أثناء اللعب، وهذا ما لم نعرفه من قبل، وآخرون يرتدون البنجابي، وهو لباس باكستاني وأفغاني، وآخرون يرتدون الصديري فوق الدشداشة، وهذا ما لم نعهده في طفولتنا. وظهر في الصورة دكان علّق لوحة غريبة كتب عليها (الفراريج)، أي الدجاج، وهي كلمة لا علاقة لها باللهجة الكويتية، فالكويتيون لا يطلقون على الدجاج كلمة فراريج، كما أننا لم نعهد دكاكين تبيع الدجاج، سواء كان حياً أو مذبوحاً أو مشوياً، إلا في أواخر ستينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي اختفت فيها الأحياء الكويتية القديمة ببيوتها الطينية. أما أسماء الألعاب، التي ظهرت في الصورة، وكان الصبية يلعبونها فقد كُتبت خطأ، فلعبة الدوامة كتبت (دومة)، ولعبة المقصي كتبت (انقصي)، ولعبة الدرباحة كتبت (دربلة)، أما لعبة التيل أو (البلية)، كما في اللهجة المصرية، فقد ظهرت في الصورة ضخمة بحجم كرة القدم. الغريب أن هناك أكثر من عشرة فنانين تشكيليين عاشوا حقب الأربعينيات والخمسينيات والستينيات بتفاصيلها الدقيقة، وساهموا بتصوير الحياة الكويتية القديمة بدقائقها التي عكست بساطة ذلك الزمان، مثل (أيوب حسين، ومعجب الدوسري، وعبدالرضا باقر، وخليفة القطان، وثريا البقصمي، وسامي محمد، وسكينة الكوت، وعبدالله القصار، وغيرهم).

ولو قمنا بجمع الرسومات المتعلقة بالتراث الكويتي لهؤلاء الفنانين الكويتيين المبدعين، لاستطعنا أن نحصر أكثر من 1000 لوحة، بل إن الفنان أيوب حسين وحده رسم بريشته نحو 600 لوحة زيتية عن التراث الكويتي، وألّف عدة مؤلفات شعبية تراثية منها (مع الأطفال في الماضي، ومختارات شعبية من اللهجة الكويتية، ومع ذكرياتنا الكويتية، ومن كلمات أهل الديرة، وحولي... قرية الأنس والتسلي)، فما بالك بإبداعات الآخرين من الفنانين الكويتيين؟

لهذا أتساءل: لماذا يهمّش بعض المسؤولين تراثنا، ويتناسون دور الفنان التشكيلي الكويتي في إحياء التراث الخليجي عموماً والكويتي خصوصاً؟ ولماذا يعتمدون على فنانين أجانب لا يعرفون شيئاً عن التراث الخليجي؟ وإذا كان هؤلاء المسؤولون مجبرين على الاعتماد على الأجانب أو الأغراب لنقل تراثنا على (الكانفاس)، فلماذا لا يكون هذا العمل تحت إشراف مباشر ورقابة صارمة من قبل كويتيين خبراء في التراث الكويتي، لمنع وقوع أي تشويه لقديم الكويت من أجل الحفاظ على الهوية المميزة للكويت والكويتيين؟

ولماذا يسمحون بنشر هذه التشوهات بين صغار الكويتيين، الذين يجهلون حقيقة تراثنا الجميل ولم يعاصروه أصلاً؟ لقد تعرّضت الكويت لحملات منظمة لتشويه هويتها بكل الطرق التي أتيحت للمزوّرين والمندسين بين الكويتيين، لدرجة أن قطار التشويه لم يقف عند محطة الألعاب الشعبية فقط، بل تجاوزها إلى كتابة أسماء الشوارع وأسماء الشخصيات الكويتية، خصوصاً عندما تكتب هذه الأسماء باللغة العربية، ثم تكتب باللغة الإنكليزية بتهجئة أو بطريقة لفظ أخرى على اللوحة نفسها، ولا أريد أن أعطي أمثلة على هذه الأخطاء (الشوارعية)، وإلّا ملأت مجلدات. فهل نجد أذناً صاغية من قبل خبراء التراث الكويتي ليبدأوا بتنقيح هوية الكويت التراثية من شوائب التشويه المتعمد، تماماً كما تعمّد المزورون تشويه هذه الهوية من خلال الجنسية؟ نتمنى ذلك.

back to top