الأغلبية الصامتة: المندسون في فرنسا

نشر في 19-10-2026
آخر تحديث 18-10-2026 | 17:40
 إبراهيم المليفي

شهدت باريس وعموم فرنسا موجة عارمة من الاحتجاجات الشعبية الحاشدة، التي انطلقت كتعبئة طلابية واجتماعية، وتطوَّرت سريعاً لتعم مدن البلاد، بمشاركة ما بين 550 و800 ألف متظاهر، ثم تدهورت الأمور، لتتحوَّل في عدة مناطق إلى فوضى واشتباكات عنيفة مع الشرطة، وأعمال تخريب ونهب طالت ممتلكات عامة وتجارية.

بدأت شرارة الأحداث بموضوعٍ مختلف تماماً عمَّا نراه في شاشات التلفزيون والهواتف، باحتجاجات طلابية متفرقة في المدارس الثانوية والجامعات للتنديد بنقص المعلمين، واكتظاظ الفصول الدراسية، وتدهور المرافق التعليمية. وسرعان ما تلاقت هذه التحرُّكات الطلابية مع غضبٍ شعبي أوسع وانضمام «حراكات» سابقة مثل «السترات الصفراء» ونقابات عُمالية معهم.

ونتيجة لذلك التلاقي توسَّعت قائمة المطالب، لتشمل التذمُّر من ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار (خصوصاً أسعار الوقود)، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن المطالبة بزيادة الأجور وتحسين الخدمات العامة.

وحتى الآن أسفرت المواجهات عن توقيف حوالي 1.200 شخص، وإصابة أكثر من 150 عنصراً من قوات الأمن، كما تعرَّض متظاهرون لإصابات خطيرة، من بينها بتر يد شاب يبلغ 17 عاماً في مدينة سانت إتيان، بسبب قنبلة صوتية ألقتها الشرطة، وجرى تخريب واجهات البنوك، وهاجم نحو 100 متظاهر مقر قناة سي نيوز التلفزيونية بباريس، فضلاً عن إحراق عشرات السيارات وحاويات النفايات، والتهمت النيران أجزاءً واسعة من مبانٍ تاريخية ورمزية، أبرزها انهيار برج بلدية ليموج التاريخي (المبني في القرن التاسع عشر)، جرَّاء حريق متعمَّد، واقتحام وتخريب بلديات مرسيليا، وليل، ومقر المحافظة في بوردو.

السؤال المُلحّ الآن: لماذا انحرفت تلك المظاهرات من حركات مطلبية إلى عمليات تخريب ونهب؟ 

تُرجع التقارير الأمنية والتحليلات السياسية هذا التحوُّل العنيف إلى عدة عوامل متداخلة؛ أولها دخول عناصر خارجية ومخربين، حيث تؤكد السُّلطات الفرنسية أن الغالبية العظمى من المحتجين تظاهروا سلمياً، إلا أن مسارات المسيرات شهدت تغلغل مجموعات من الشبان الملثمين (المندسين) الذين يرتدون ملابس سوداء، استغلوا الحشود كغطاء للاشتباك مع عناصر الأمن، ورشقهم بالألعاب النارية والمقذوفات، وشهدت الشوارع التجارية الكبرى ومحال السوبرماركت في باريس ومدن أخرى عمليات اقتحام وتكسير من قِبل لصوص ومخربين. هؤلاء استغلوا تراجع الشرطة وانشغالها بالغاز المسيل للدموع لنهب الهواتف المحمولة والسلع الفاخرة.

وقد زاد الاحتقان بعد تسجيل إصابات بليغة بين المتظاهرين والقاصرين، جرَّاء استخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع، وخراطيم المياه، والقنابل الصوتية. هذا التعامل الأمني العنيف دفع ببعض المجموعات للانتقام، بضرب ممتلكات الدولة ومهاجمة مركبات الأمن.

حكومة الرئيس ماكرون اتهمت أحزاب اليسار الراديكالي (تحديداً حزب فرنسا الأبية، بقيادة جان لوك ميلانشون) باستغلال وتأجيج غضب الشباب لتحقيق مكاسب انتخابية قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة، وتحويل مسار الاحتجاج السلمي إلى عنف. في المقابل، استغلت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن الحدث لدعم الشرطة، واتهام اليسار بإضفاء الشرعية على الفوضى.

في الختام، كان الشارع الفرنسي قابلاً للاشتعال سريعاً بمجرَّد بدء أي حِراك، بسبب شعور قطاعٍ عريض من الطبقتين العاملة والوسطى بالإحباط واليأس من سوء الحالة الاقتصادية، والأوضاع الحالية تضع السُّلطات الفرنسية أمام تحدٍّ مزدوج يتطلَّب فرض الأمن والاستقرار، بالتوازي مع تقديم حلول اقتصادية حقيقية لتهدئة الغضب الشعبي المتصاعد.

back to top