حماية المستهلك ولجنة منازعات لتفادي «النيابة»
نص القانون رقم 39 لسنة 2014 بشأن حماية المستهلك في فصله الثاني على إنشاء «اللجنة الوطنية لحماية المستهلك» لتتكون من اثني عشر عضواً، عشر جهات حكومية واثنتان أهلية، فراجعنا نشاطها بالصحافة بشكل سريع، فوجدنا ضبابية في مدى فاعليتها من عدمها، ولم نجد سوى بضعة أخبار وتصريحات ما بين 2014 حتى 2023 عن اجتماعات متشابهة الأغراض لتشكيل لجان وتوزيع مهام وشيء من هذا القبيل!
وفي 2024 شكّل أحد الوزراء لجنة لمراجعة القانون ولائحته لبيان أوجه قصوره، في حين أن القانون منح اللجنة خمسة اختصاصات جبّارة لحماية المستهلك أهمها: «تلقي الشكاوى من المستهلكين وجمعيات حماية المستهلك وفحصها والتحقيق فيها، وإبلاغ الجهات المختصة، ورفع الدعاوى المتعلقة بمصالح المستهلكين والتدخل فيها». فلماذا لم تفعّل اللجنة هذه المادة؟ ففي اجتماع لجنة حماية المستهلك بدول مجلس التعاون في يونيو 2026 شاركت وزارة التجارة بإدارة الرقابة التجارية وحماية المستهلك، فهل يعني هذا أن اللجنة غير موجودة أصلاً؟! قد يكون جانبنا الصواب، ولكنه سؤال محير موجّه إلى وزير التجارة!
القانون أحدث في البداية خلافاً مع مجلس الأمة لعدم تفعيل مواده وتطبيقاته، خصوصاً التأخر في ترخيص جمعيات حماية المستهلك التي وجدنا بعضها شكلية بعد تأسيسها من واقع مواقعها الإلكترونية البدائية، فمن واقع شكاوى مستهلكين لجأوا إلى «سهل» على إجراءات الوزارة يتضح أن القانون وضع مخالب لإدارة «حماية المستهلك» المنوط بها تطبيقه لإنصاف المستهلك، ولكنها لا تستخدمها بشكل حاد، ليصطدم الشاكي بدورة مستندية عقيمة وبيروقراطية مفرطة، تستنزف وقته وجهده وتفقد الشكوى أثرها الردعي لتقاعس المحال التجارية بمرور الوقت، في حين أن القانون في فصله الرابع وضع للمستهلك ضمانات حادة تضمن حقوقه خلال فترة زمنية قصيرة، كما ضمن فصله الخامس التزامات شديدة على «المزود»، أي التاجر، وعقوبات أشد بالفصل السابع تصل للحبس.
ورغم أنه من حق الوزارة إحالة الشكوى للنيابة كإجراء قانوني، فإن سرعة استخدامه كبديل عن الضغط المباشر المتاح لإدارة حماية المستهلك تمثل تساهلاً ضمنياً يطيل أمد النزاع، فهل تعلم الوزارة ما تشكّله هيبة مصطلح «النيابة» من خوف عند بسطاء الرجال والنساء حين يذهبون إلى التحقيق؟!... فتحويل خلاف تجاري ببضعة مئات من الدنانير إلى قضية تنظرها النيابة، يعني ترحيل الحل إلى شهور طويلة في دهاليز التقاضي، وهو ما يجعل المستهلك يتوب عن الشكوى بعد مواجهته لـ «مرمطة» أشهر ويتنازل عن حقوقه مستقبلاً.
إن استعانة «حماية المستهلك» بالشركة المشكو بحقها لتقدم تقريراً عن حالة المنتج يعد إجراءً خاطئاً، فكيف يكون الخصم حكماً؟ مما يتطلب من الوزارة الاستعانة بطرف فني محايد لتقييم الخلل، مع تحميل المشكو بحقه أتعاب ذلك، كما يجب أن ينتهي دور الشاكي بإيصال شكواه للوزارة لتكون ممثلاً له أمام الخصوم، وهو ما جاء فعلاً بالقانون في فصله الثاني بالمادة السادسة، البند الثاني، من اختصاصات لجنة حماية المستهلك، والذي ذكرنا نصه في بداية المقال.
إن على وزارة التجارة إنشاء «لجنة حل منازعات تجارية» للمبالغ التي تقل عن حد معيّن، كأقل من عشرة آلاف دينار مثلاً، فلا يجب إشغال النيابة العامة بهيبتها وما هو منوط بها من مسؤوليات جسيمة لتكون طرفاً للتحقيق في منازعات تجارية بمئات الدنانير.
وفي الخلاصة، نحن نحفز الوزارة لاستخدام مخالب القانون المتاحة لها بشكل أقوى لحماية المستهلك، وإنشاء اللجنة المقترحة للمنازعات لتفادي إضاعة وقت النيابة.
***
إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي.