كولومبوس يستحق أن يكون له يومه

نشر في 16-10-2026
آخر تحديث 15-10-2026 | 18:11
 وول ستريت جورنال

يوافق اليوم يوم كولومبوس، إحياءً لذكرى وصول المستكشف الجنوي، الذي رعته إسبانيا، إلى الأميركتين عام 1492. لست هنا بالضرورة لأمتدح كولومبوس، بل لأتأمل في قدرته المذهلة على البقاء في الذاكرة.

معظم الناس لا يتركون وراءهم الكثير في حياتهم. فالأسماء والأفعال تُنسى خلال بضعة أجيال، حتى داخل العائلات نفسها. تلك هي طبيعة الزمن والذاكرة، إذ تطمر الأرض كل شيء تقريباً... إلا ما ينجو من ذلك. فثمة أسماء وأفعال تظل حاضرة، وكريستوفر كولومبوس واحد منها. لم يطوه النسيان، وما زال اسمه يتردد على ألسنتنا حتى اليوم. 

لماذا؟ وكيف؟ سيقول البعض إن كولومبوس لم يكن شخصية استثنائية على الإطلاق، وإن معاصرين له أنجزوا أكثر منه، وبصورة أفضل. وسيضيفون: لقد ضل طريقه! وكان قاسياً! فأي شيء يستحق الاحتفاء به هنا؟

لكننا، مهما تعددت أقوالنا، لا نعرف الكثير عن كولومبوس. لدينا رسائله الرسمية ومذكراته الشخصية، وبعض الروايات التي نقلها أصدقاء له وأعداء. والحقيقة أننا لا نعرف الكثير عن أي شخص عاش قبل 550 عاماً. ربما كان كولومبوس البطل الذي تصوره الأساطير، وربما كان ذلك الأحمق الذي يصوره منتقدوه.

ما نعرفه يقيناً هو أن كولومبوس لم يكن أول أوروبي يصل إلى الأمريكتين بالإبحار غرباً. ولذلك، لا يستحق وصفه بـ«المكتشف»، وربما لا حتى بـ«المستكشف». لكن ما أنجزه كان استثنائياً بكل المقاييس، فقد أقام اتصالاً دائماً بين الشرق والغرب، وأسهم في نسج العالم بعضه ببعض.

وهذا، في حد ذاته، يستحق الاحتفاء. أم ترون أننا كنا سنكون أفضل حالاً لو لم يحدث ذلك اللقاء بين العالمين؟

لقد وُثّقت جيداً الجوانب السلبية لرحلاته. وكان من المحتم أن يصطدم عالم غني ومتطور بآخر فقير وأقل تطوراً، وأن تسفر المواجهة عن فوضى وكوارث. لكن ذلك كان سيحدث في نهاية المطاف على أي حال. أما الاعتقاد بأن التبادل كان سيجري على نحو أفضل لو أن كولومبوس ورفاقه تبنّوا مفاهيم حقوق الإنسان المعاصرة، فليس سوى خيال تنقيحي عبثي.

ماذا لو؟ لو كانت سفينة «سانتا ماريا» تحمل قذائف مدفعية من الحديد المصبوب، لربما كان اسمها «سانتو ماريو»!

ولا ينبغي أن ننسى أن النتائج لم تكن كلها سلبية. فقبل كولومبوس، لم تكن هناك حبة بطاطا واحدة في أيرلندا، ولا حبة طماطم واحدة في إيطاليا، ولا فلفل حار واحد في آسيا. والكثير مما نعدّه اليوم جزءاً أصيلاً من ثقافات بلدان بعينها تعود جذوره إلى عام 1492.

قدت سيارتي في نهاية الأسبوع عبر نفق هيو إل كاري، الذي يصل جنوب مانهاتن ببروكلين. ويعرف معظم الناس هذا النفق باسم «نفق بروكلين–باتري»، وهو الاسم الذي حمله منذ افتتاحه عام 1950 حتى عام 2012.

أراهن أن 95% من السائقين الذين يستخدمون النفق ما زالوا يسمونه باسمه الأصلي. وسأندهش إن استطاع أحدهم أن يخبرك من هو هيو كاري، أو لماذا سُمّي النفق باسمه.

وفي يوم ما، وربما ليس بعيداً، ستقرر الأوساط السياسية في نيويورك أن هيو كاري نال أكثر مما يستحق من الأضواء. وعندئذ، سيُعاد تسمية النفق تكريماً لشخصية أخرى كانت ذات نفوذ في زمنها، كأن يكون هاكيم جيفريز مثلاً. وبعد مرور بضعة أجيال أخرى، سيخفت بريق اسم جيفريز، وستُزال اللافتات التي تخلّد ذكراه.

وفي ذلك اليوم، تذكّروا كلماتي: سنظل نتحدث عن كريستوفر كولومبوس. فالزمن يطمر كل شيء تقريباً، إلا ما ينجو من النسيان.

* ماثيو هينيسي 

back to top