«العطور» يمزج الموسيقى الفرنسية بروائح الشرق في مركز جابر الثقافي
غوفان: العطر جزء من هوية الكويت وذاكرتها... و«أغاممنون» قدَّمت أنغام النهضة والباروك
في تجربة فنية استثنائية جمعت بين الموسيقى والعطور، اصطحبت الفرقة الفرنسية «أغاممنون» جمهور مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي إلى عالم مختلف، امتزجت فيه روائع الموسيقى الأوروبية القديمة بعبق العطور، في عرض حمل عنوان «العطور»، وقدَّم سبعة من العازفين والمغنين خلاله باقة من الأغاني والمعزوفات التي ترافقت مع روائح عطرية أضفت على الأمسية أبعاداً حسيَّة مميزة.
وشهدت الفعالية، التي أُقيمت على مسرح مركز جابر الأحمد الثقافي، حضوراً دبلوماسياً وثقافياً، في إطار الاحتفاء بمرور 65 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الكويت وفرنسا، وبشهر الفرنكوفونية، بما يعكس عُمق العلاقات الثنائية، وأهمية الثقافة والفنون في تعزيز التواصل بين الشعبين الصديقين.
غوفان ملقياً كلمته في الحفل
وفي كلمة له خلال الأمسية، أكد السفير الفرنسي لدى البلاد أوليفييه غوفان أن العطر حاضر في تفاصيل الحياة الكويتية، ويشكِّل جزءاً أصيلاً من تقاليد الضيافة والذاكرة والهوية الوطنية، مشيراً إلى أنه لمس منذ وصوله إلى الكويت المكانة الخاصة التي يحتلها العطر في المجتمع، سواء بأروقة سوق المباركية، أو من خلال البخور الذي يفوح من الملابس، وفي الديوانيات التي يمثل فيها العطر جزءاً من فن استقبال الضيوف.
وقال غوفان: «الكويت بلد العطور بامتياز، والعطر في الكويت، من الورد إلى العود، ومن البخور إلى المِسْك، ليس مجرَّد إضافة جمالية، بل هو عنصر متجذر في نسيج الحياة اليومية والتقاليد الاجتماعية»، مضيفاً أن الأمسية تقدِّم هذا الإرث في حوار فني جميل مع الموسيقى.
بن رضا وغوفان في مقدمة الحضور
التناغم بين الأنغام
وأوضح أن التقاء الحواس المختلفة له تاريخ عريق في الأدب والفن الفرنسيين، مستشهداً بقصيدة «المراسلات» للشاعر الفرنسي شارل بودلير، التي تتناول التفاعل بين العطور والألوان والأصوات، وتستحضر عالماً تتشابك فيه الحواس، فيوقظ العطر صورة أو ذكرى، ويستحضر الصوت مشاعر وتجارب قديمة.
وأشار إلى أن عرض «العطور» يدعو الجمهور إلى اكتشاف التناغم بين الأنغام والروائح، من خلال تجربة فنية تجمع حاستَي السمع والشم، وتُتيح للجمهور التفاعل مع الموسيقى بطريقة تتجاوز الاستماع التقليدي إلى الحفلات.
ولفت إلى أن فرقة أغاممنون الفرنسية، التي أسسها عازف الكورنيتو فرانسوا كاردي، تضع إعادة اكتشاف الموسيقى القديمة في صميم مشروعها الفني، وتسعى إلى إحياء هذا التراث، من خلال أشكال معاصرة من التعبير والإبداع.
النهضة والباروك
وبيَّن أن برنامج الأمسية يأخذ الجمهور في رحلةٍ عبر العوالم الموسيقية لعصرَي النهضة والباروك، من خلال أعمال لمؤلفين بارزين، من بينهم: كلاوديو مونتيفيردي، وباربارا ستروتزي، وسالوموني روسي، ولويجي روسي، فيما طُوِّرت العطور المصاحبة للعرض بالتعاون مع مؤرخ العطور ألكسندر حلواني، ضمن رؤية فنية مبتكرة تدمج الموسيقى بالعطر.
وأضاف غوفان أن تقديم هذا العمل في الكويت يحمل دلالةً خاصة، بالنظر إلى تاريخ البلاد البحري وانفتاحها على العالم، إذ شكَّلت على مدى قرون حلقة وصل بين شبه الجزيرة العربية والهند ومناطق المحيط الهندي، وأسهمت طُرق التجارة والملاحة في نقل التوابل والعطور والسلع النفيسة، إلى جانب التقاليد والممارسات الثقافية التي تناقلتها الأجيال.
وأكد أن الأمسية تحتفي بلقاء التراث الموسيقي الأوروبي مع التقاليد العريقة للعطور في شبه الجزيرة العربية، مثمناً دعم الشركاء الكويتيين ومؤسسات الدولة الثقافية، وفي مقدمتها مركز جابر الأحمد الثقافي والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، متوجهاً بالشكر إلى أسرة الفرنكوفونية، وإلى السفراء، لا سيما مجلس تعزيز الفرنكوفونية في الكويت، وإلى رئيسه الفخري سمو الشيخ ناصر المحمد، تقديراً لدعمه المتواصل.
بن رضا ملقياً كلمته
التبادل الثقافي
من جانبه، أكد مدير إدارة العلاقات الثقافية الخارجية في «الوطني للثقافة» ومدير إدارة متحف الكويت الوطني، محمد بن رضا، في كلمة نيابةً عن الأمين العام للمجلس د. محمد الجسار، أن العلاقات الكويتية- الفرنسية، الممتدة على مدى 65 عاماً، تمثل نموذجاً للصداقة والتعاون القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مشيراً إلى الدور الذي تؤديه الثقافة والفنون والتراث في تعزيز جسور التواصل والتفاهم بين الشعبين.
وقال بن رضا إن الثقافة ليست مجرَّد تعبير عن الهوية الحضارية للشعوب، بل لغة إنسانية عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والحواجز اللغوية، وتفتح آفاقاً رحبة للتقارب والتفاهم والإبداع المشترك.
وأوضح أن عرض «العطور» يقدِّم تجربة فنية استثنائية تمتزج فيها موسيقى الباروك بالإبداع العطري، حيث ترافق كل مقطوعة تركيبة عطرية خاصة، لتتحوَّل الأنغام والروائح إلى حوارٍ فني متناغم يجمع بين حاستَي السمع والشم، ويخاطب الوجدان ويثري الخيال.
وأضاف أن «ما يميز هذه التجربة، هو تذكيرها بأن الفن لا يقتصر على ما نراه أو نسمعه، بل يمتد إلى ما نشعر به ونحتفظ به في ذاكرتنا، تماماً كما ترتبط العطور بالذكريات والأماكن والمشاعر».
بن رضا: الحفل باكورة مشروع التبادل الثقافي الدولي
وأشار بن رضا إلى أن الحفل يمثل باكورة الأنشطة الثقافية والفنية ضمن مشروع التعاون الدولي للتبادل الثقافي، المدرج في خطة التنمية للسنة المالية 2026-2027، والذي يهدف إلى تعزيز الشراكات الثقافية الدولية وتبادل الخبرات والتجارب الإبداعية واستضافة فعاليات فنية نوعية تُسهم في إثراء المشهد الثقافي بالكويت.
وأكد تطلع المجلس، من خلال المشروع، إلى توسيع آفاق التعاون مع المؤسسات الثقافية والفنية العالمية، وتقديم تجارب إبداعية مبتكرة للجمهور، بما يعزز مكانة الكويت ملتقى للثقافات ومنبراً للحوار الحضاري والإبداع الإنساني.
وثمَّن التعاون الثقافي القائم بين الكويت وفرنسا، مشيداً بجهود المعهد الفرنسي لدى البلاد برئاسة سوريا صاع، والقائمين على تنظيم الأمسية، وأعضاء فرقة أغاممنون، بقيادة فرانسوا كاردي، معرباً عن تطلعه إلى مزيدٍ من المبادرات والبرامج المشتركة التي تعكس عُمق العلاقات بين البلدين.
واختُتمت الأمسية بتأكيد أهمية الثقافة والفنون في توحيد المشاعر وتعزيز الصداقة بين الشعوب، وترسيخ لغة مشتركة تتجاوز اختلاف اللغات والثقافات.