من الانهيار إلى الاستبدال!
حين تتآكل العُملة لا يتغيَّر السعر وحده، بل تتغيَّر الطريقة التي ينظر بها الناس إلى النقود نفسها. ما بدأ كمشكلة في سعر الصرف يتحوَّل تدريجياً إلى مشكلة ثقة. وحين تُفقد الثقة، يبدأ السوق بصناعة حلوله الخاصة، بعيداً عن القرارات الرسمية.
الأرقام المتداولة اليوم عن اقتصادات تحت الضغط تعكس هذا المسار؛ عُملة محلية تفقد قيمتها بوتيرةٍ متسارعة، وتضخم يقترب من حاجز 100 في المئة، واحتياطيات من النقد الأجنبي تتراجع، وعوائد نفطية لا تكفي لتغطية الفجوة. في ظروف كهذه لا يسأل المواطن عن سعر الصرف الرسمي، بل عن أي عُملة ستحفظ قيمة راتبه حتى نهاية الشهر.
التاريخ يُعيد نفسه بأشكالٍ مختلفة؛ نستذكر شمال سورية 2014، حيث انتشرت الليرة التركية كبديلٍ عن الليرة السورية، لأن التاجر والمستهلك أرادا عُملة يمكن الاعتماد عليها في التسعير والتعامل اليومي. أيضاً أفغانستان 2001، حيث استُخدمت الروبية الباكستانية على نطاقٍ واسع، خصوصاً في المناطق الحدودية والتجارية، بحُكم التبادل اليومي مع الجار الأقرب. وفي قراءه للحاضر: هل تتجه إيران إلى نفس السلوك في الاستعانة، مثلاً، بالروبية الباكستانية أو الدينار العراقي؟
هنا يُصبح السؤال أكثر إثارة، حيث إن الاقتصادات الكبيرة تملك مؤسسات وقدرات أوسع على الصمود، لكنها لا تُعفى من قواعد الثقة والضغوط المتراكمة؛ من قيود على التجارة والتحويلات، إلى نقص السيولة بالعُملة الصعبة قد تدفع الأسواق المحلية إلى تجربة بدائل. وتاريخياً تبدأ هذه التجارب من الحدود، حيث يلتقي التاجر نظيره عبر الخط الفاصل، إذ يحتاج إلى وحدة حساب يتفق عليها الطرفان. ومن هنا قد تظهر عُملات الجوار في المناطق الحدودية كأدوات تسوية عملية قبل أن تكون خيارات نقدية. هذا لا يعني بالضرورة استبدالاً كاملاً للعُملة المحلية، إنما حل للوضع الراهن وتسوية الأمور اليومية.