وجهة نظر: هل سيختارك الذكاء الاصطناعي؟

نشر في 14-10-2026
آخر تحديث 13-10-2026 | 17:44
 إبراهيم الكندري

تخيّل أنك بحاجة إلى ماكينة قهوة جديدة، ترفع هاتفك وتقول لسيري، أو إحدى أخواتها من مساعدي الذكاء الاصطناعي: «ابحثي لي عن ماكينة قهوة جيدة للمنزل، لا تأخذ مساحة كبيرة، سهلة التنظيف، تصنع الإسبريسو والكابتشينو، وسعرها لا يتجاوز 150 ديناراً، والأهم أن يكون لها وكيل وصيانة في الكويت».

بعد ثوانٍ، وبدلاً من أن تحصل على قائمة طويلة من الروابط لتبدأ أنت رحلة البحث، تحصل على ثلاث أو أربع خيارات، مع مقارنة بينها، وربما توصية بأحدها وشرح للأسباب التي تجعله أكثر ملاءمة لاحتياجاتك، تختار أحد الخيارات، وتسأل عن أفضل مكان لشرائه، وربما تنتهي العملية كلها من دون أن تفتح Google، أو تدخل موقع الشركة المصنعة، أو تشاهد إعلاناً واحداً.

هذه الصورة ليست بعيدة كما قد تبدو، ولسنا هنا نتحدث عن خدمة الإعلانات التي بدأت بعض منصات الذكاء الاصطناعي في تقديمها مؤخراً، رغم أهمية ذلك، فالإعلان مهما تغيرت تقنياته يبقى في جوهره محاولة من الشركة للوصول إلى العميل، ما نتحدث عنه هنا أعمق من ذلك، لأنه يتعلق بالطريقة التي يكتشف بها العميل المنتج من الأساس.

من «ابحث لي» إلى «اختر لي»

قبل سنوات، كان أحد أهم الأسئلة التي تطرحها الشركات على نفسها هو ما إذا كان العميل يستطيع العثور عليها على Google، ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح الاهتمام منصباً على الظهور أمام العميل على Instagram أو TikTok أو LinkedIn، أما السؤال القادم فقد يكون مختلفاً، هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفهم ماذا نبيع، ولمن نبيعه، وما الذي قد يجعل العميل يختارنا بدلاً من غيرنا؟

الفارق هنا جوهري، فعندما تبحث في Google عن ماكينة قهوة، تظهر أمامك روابط وإعلانات ومتاجر ومراجعات، ثم تبدأ أنت بالمقارنة وقراءة المواصفات والأسعار قبل اتخاذ القرار، أما في المثال السابق، فقد طلبت من الذكاء الاصطناعي أن يقوم بجزء كبير من هذه العملية نيابة عنك، وأن ينتقل بك سريعاً من البحث إلى الترشيح.

رقم صغير... لكنه يستحق الانتباه

متجر John Lewis البريطاني أشار مؤخراً إلى أن نسبة عمليات البحث القادمة إليه عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي ارتفعت من نحو 0.3 في المئة إلى 2.5 في المئة خلال عام واحد، وقد تبدو نسبة 2.5 في المئة صغيرة، وهي بالفعل كذلك مقارنة بحجم الزيارات القادمة من محركات البحث التقليدية، إلا أن ما يستحق الانتباه ليس الرقم وحده، وإنما سرعة التغير.

ولهذا بدأت الشركة تهتم أكثر بالمحتوى وطريقة عرض معلومات منتجاتها، حتى تظل قابلة للاكتشاف من خلال هذه القنوات الجديدة، وربما يكون السؤال الأهم للشركات هنا ليس «كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟»، بل «كيف سيستخدمه عملاؤنا؟»، فالتحول الحقيقي قد يبدأ من العميل عندما يعتمد على هذه الأدوات في البحث والمقارنة واتخاذ جزء من القرار.

وسيط جديد بين العميل والسوق

حتى الآن، كان العميل غالباً هو مَن يقوم بالفرز، يرى عدة مطاعم، أو يدخل مواقع شركات مختلفة، أو يقارن بين عدد من الأجهزة قبل أن يقرر، أما مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذه الرحلة، فقد يتولى هو عملية الفرز الأولي، ويضع أمام العميل عدداً محدوداً من البدائل التي يراها أكثر ملاءمة لطلبه.

وهنا تبدأ المنافسة في اتخاذ شكل مختلف، فبدلاً من أن يكون التحدي فقط هو الظهور أمام العميل، قد يصبح التحدي أيضاً هو الدخول ضمن الخيارات التي يرى الذكاء الاصطناعي أنها مناسبة له، فهو لا يبحث عن اسم الشركة فقط، وإنما يحاول فهم ما تقدمه، ولمن يناسب المنتج أو الخدمة، وما السعر، وأين يتوفر، وما الذي يميزه عن البدائل.

هل يفهم الذكاء الاصطناعي شركتك؟

هنا تظهر مشكلة قد تواجه كثيراً من الشركات، فالمواقع الإلكترونية مليئة بعبارات من نوع «نقدم حلولاً مبتكرة ومتكاملة وفق أعلى معايير الجودة»، وهي عبارات تبدو جيدة تسويقياً، لكنها لا تشرح بالضرورة ماذا تبيع الشركة فعلياً، ومن هو عميلها، وما الذي تفعله بصورة أفضل من منافسيها.

قد يستطيع العميل البشري اكتشاف الإجابة بعد قراءة عدة صفحات أو الاتصال بالشركة، لكن إذا كانت أداة الذكاء الاصطناعي تحاول ترشيح ثلاثة خيارات فقط، فقد تكون الأفضلية لمن كانت المعلومات المتاحة عنه أكثر وضوحاً وتحديداً.

ولا ينطبق ذلك على المنتجات فقط، تخيّل أن مدير شركة في الكويت يسأل أحد مساعدي الذكاء الاصطناعي عن شركة استشارات لديها خبرة في إعادة هيكلة الشركات العائلية، وتستطيع العمل مع الإدارة في التنفيذ وليس فقط إعداد الاستراتيجية، خلال ثوانٍ قد يحصل على ثلاثة أسماء، وعندها لن يكون السؤال بالنسبة لشركة الاستشارات هو ما إذا كان لديها موقع إلكتروني جيد، وإنما ما إذا كانت هناك معلومات واضحة وموثوقة بما يكفي لكي يفهم الذكاء الاصطناعي أنها بالفعل تطابق هذا الطلب.

ما تقوله عن نفسك لم يعد كافياً

الأمر لا يتوقف عند محتوى موقع الشركة، فالمراجعات، والمقالات، والأخبار، والمشاريع السابقة، وشهادات العملاء، والمعلومات الموجودة في المواقع والمنصات الأخرى، كلها تساهم في تكوين الصورة الرقمية عنها، ولهذا ستزداد أهمية الاتساق بين ما تقوله الشركة عن نفسها وما يجده الآخرون عنها في بقية المصادر.

فإذا كان الموقع يقدم صورة معينة، بينما المعلومات المنشورة في منصة أخرى قديمة أو مختلفة، أو كانت مراجعات العملاء تصف تجربة مغايرة، تصبح الصورة أقل وضوحاً، وربما نحتاج لذلك إلى النظر إلى المحتوى الرقمي مستقبلاً ليس فقط باعتباره أداة للتسويق، وإنما باعتباره المادة التي يستطيع من خلالها الإنسان، والآلة أيضاً، فهم الشركة وموقعها في السوق.

ماذا يعني ذلك للشركات؟

ليس المطلوب أن تعيد الشركات بناء مواقعها من أجل ChatGPT أو Gemini، كما أنه من المبكر بالتأكيد التوقف عن الاستثمار في Google أو وسائل التواصل الاجتماعي، لكن من المفيد أن تبدأ الشركات في مراجعة مدى وضوح حضورها الرقمي، هل منتجاتها وخدماتها موصوفة بطريقة محددة؟ وهل يستطيع مَن لا يعرف الشركة أن يفهم سريعاً ماذا تقدم ولمَن؟ وهل المعلومات الأساسية من مواصفات وأسعار ومواقع وشروط خدمة متاحة ومنظمة ومتسقة عبر القنوات المختلفة؟

هذه في حقيقتها ليست أسئلة تقنية بقدر ما هي أسئلة تتعلق بمدى وضوح الشركة في السوق، وما كان يمثل ميزة تسويقية في السابق قد يتحول تدريجياً إلى شرط أساسي للدخول ضمن دائرة الاختيار.

السؤال القادم

قبل عشرين عاماً كان السؤال الذي يشغل الشركات هو ما إذا كانت تمتلك موقعاً إلكترونياً، ثم أصبح السؤال ما إذا كان العميل يستطيع العثور عليها على Google، وبعد ذلك ما إذا كانت قادرة على الوصول إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واليوم نحن في بداية مرحلة جديدة، لا نعرف بعد حجمها النهائي ولا سرعة تطورها، لكنها تستحق المتابعة.

فإذا استمرت أدوات الذكاء الاصطناعي في الانتقال من مجرد الإجابة عن الأسئلة إلى البحث والمقارنة والترشيح نيابة عن المستخدم، فهناك سؤال جديد قد يحتاج إلى الدخول تدريجياً إلى اجتماعات التسويق والاستراتيجية، إذا طلب العميل من الذكاء الاصطناعي أن يبحث ويقارن ويختار، فهل ستكون أنت من بين الخيارات التي يقترحها؟

* الشريك المدير - دوتسلينك للاستشارات

back to top