ثغرات القانون لحماية الصفقات

نشر في 12-10-2026
آخر تحديث 11-10-2026 | 18:10
 د. أحمد فاتح محمد

في المشهد السياسي العراقي لم تَعُد الصفقات المشبوهة تُمرَّر عبر الالتفاف على النصوص الدستورية، بل باتت تُصاغ وتُنظم بدقة تحت قبة البرلمان.

يمثل تقنين الاستثناء أخطر مظاهر الدولة العميقة، إذ تفرغ القوانين الرقابية من محتواها الرادع عبر صياغات فضفاضة تمنح حصانات إدارية مسبقة لكبار المسؤولين التنفيذيين، لتتحوَّل التشريعات من أدوات لحماية المال العام إلى مظلات تضمن الإفلات الدائم من العقاب.

تتجسَّد هذه المناورة في القوانين المنظمة للتعاقدات الحكومية والاستثمار، حيث تدرج عبارات مطاطة من قبيل المقتضيات المصلحية أو الظروف الاستثنائية. وتمنح هذه التراكيب اللغوية الوزراء وأصحاب الدرجات الخاصة صلاحيات تقديرية مطلقة تُتيح الإحالة المباشرة للعقود السيادية الكبرى من دون مناقصات شفافة، متجاوزة تعليمات تنفيذ العقود الحكومية. 

هذا التدبير القانوني يقطع الطريق مبكراً على هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، إذ تصبح الصفقة محصَّنة بنصٍ تشريعي نافذ لا يدع مجالاً للتجريم المباشر. 

والأخطر من ذلك هو إعادة إحياء الآليات المقيدة للملاحقة القضائية، بربط التحقيق مع الموظف التنفيذي بموافقة مرجعه الإداري، أو فرض تسويات مالية رضائية تسقط الدعاوى الجزائية بمجرَّد إعادة جزء يسير من الأموال المنهوبة. 

هذا التحوُّل ينقل مركز الثقل الجنائي من تجريم الفساد إلى تسويته إدارياً، مما يُحوِّل التشريع إلى أداة لحماية رأسمالية المحاصصة وإعادة تدوير مكاسب النفوذ. 

تتجلَّى الآثار الخطيرة لهذا النهج في تمرير بنود سريَّة ضمن الموازنات العامة والتشريعات التنموية، تُشرعن الإعفاءات الجمركية والضريبية الانتقائية، وتضمن حماية الشركات الاستثمارية المرتبطة بالأحزاب من المساءلة عن التعثر وسوء التنفيذ. 

كما توظف النصوص القانونية لإلغاء الرقابة السابقة، وتحويلها إلى تدقيق لاحق فاقد للجدوى، مما يمنح شبكات المصالح مساحة زمنية كافية لتبييض الأرباح ونقل الأصول خارج البلاد قبل بدء أي تحرُّك قضائي جاد. 

إن النتيجة الحتمية لهذه المناورة هي تجريد القضاء من سُلطة المحاسبة الفعَّالة، فالعقود تُبرم بصبغة رسمية لا تشوبها شائبة ظاهرياً، مما يجعل محاربة الفساد معركة خاسرة سلفاً. 

إن إصلاح المنظومة في العراق لا يبدأ بملاحقة الأفراد، بل بإلغاء هذه الاستثناءات الممنهجة، واستعادة هيبة التشريع كأداة للرقابة، لا كدرع لحماية النفوذ والصفقات.

*كاتب عراقي

back to top