حين تصبح الهوية اختياراً
في زمن كانت المسافات تصنع الفوارق بين الثقافات، كان الإنسان يحتاج إلى السفر ليرى العالم. أما اليوم، فقد أصبح العالم يسافر إلينا، يدخل بيوتنا عبر شاشة صغيرة، ويشارك أبناءنا اهتماماتهم وأذواقهم. لهذا لم يَعُد السؤال: هل يتأثر الجيل بالعولمة؟ فالتأثر أصبح واقعاً. السؤال الأهم: هل يستطيع هذا الجيل أن ينفتح على العالم من دون أن يفقد نفسه حقاً؟
ربما يمثل «تيك توك» الصورة الأوضح للتحوُّل، فهو ليس مجرَّد منصة للمقاطع القصيرة، بل هو جزء من عالم تتحرَّك فيه الأفكار والصور والأذواق بسرعةٍ كبيرة. ما يبدأ في مكانٍ بعيد يمكن أن يصبح خلال ساعات حديثاً بين شباب، وما كان يحتاج إلى سنوات للانتشار، أصبح يحتاج إلى مقطعٍ واحد ومشاهدات. ومع ذلك، فإن الخطر ليس في العولمة، ولا في التقنية، ولا في معرفة الآخر، الخطر يبدأ حين يتحوَّل الانفتاح إلى تقليد بلا وعي، وحين يصبح الإنسان مستهلكاً لكل ما يراه لمجرَّد أنه جديد أو شائع. فالهوية القوية لا تخاف من العالم، إنها تعرف كيف تستفيد منه دون أن تذوب فيه، تستطيع تعلم لغة جديدة من دون أن تتخلَّى عن لغتها، وأن تعجب بثقافة أخرى من دون أن تحتقر ثقافتها، وأن تستخدم التقنيات من دون أن تنسى قِيماً صنعت شخصيتها عبر الأجيال.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والمجتمع. ليس المطلوب أن نُغلق الأبواب أمام الجيل الجديد، فلم يَعُد ممكناً، المطلوب أن نمنحه بوصلة الاختيار. فالانتماء لا يتعارض مع الحداثة، كما أن الاعتزاز بالماضي لا يعني رفض المستقبل، فالمجتمعات الواثقة تستطيع أن تتقدَّم وهي تحمل ذاكرتها معها، وتمنح أبناءها جذوراً وأجنحة. أن يعرف الشاب قيمة لغته العربية، لأنها جزء من تفكيره وذاكرته، وأن يعرف معنى صِلة الرحم، والكرم، واحترام الكبير، وتقدير تاريخ الآباء والأجداد، بوصفها قِيماً، لا باعتبارها عادات قديمة، بل باعتبارها قِيماً يمكن أن تعيش في الحاضر. فالهوية لا تنتقل كاملة من جيلٍ إلى آخر كما تنتقل قطعة تراثية... كل جيل يُعيد اكتشافها، ويمنحها معنى جديداً، ويقرر ما يحمله منها إلى المستقبل.
لهذا، فإن المحافظة على الهوية لا تعني مقاومة التغيير، بل امتلاك القدرة على اختيار ما يناسبنا منه، فنحن لا نحتاج إلى جيلٍ يخاف من العالم، ولا إلى جيل يقلده... نحتاج إلى جيلٍ يستطيع أن يرى العالم كله، ثم يختار منه ما يثريه.
أجمل ما نتركه لأبنائنا ليس قائمة بما يجب ألا يفعلوه، بل وعياً يجعلهم قادرين على السؤال: هل هذا يُشبهني؟ وهل يضيف إلى هويتي أم ينتقص منها؟ وفي عصر تتشابه الشاشات، تصبح الهوية فعلاً واعياً، لا مجرَّد موروث. أن نكون خليجيين، لا لأننا وُلدنا هنا فقط، بل لأننا اخترنا أن نحمل أفضل ما في الأرض إلى المستقبل.
*كاتب سعودي