بقايا خيال: الكويت بحاجة إلى أبنائها

نشر في 12-10-2026
آخر تحديث 11-10-2026 | 18:06
الكويت في حاجة إلى التخصصات النادرة خصوصاً الأطباء في مختلف التخصصات بمؤسساتها العلاجية.
 يوسف عبدالكريم الزنكوي

بنهاية الحرب العالمية الثانية دخلت القوات الأميركية مدينة برلين لتبحث عن العلماء الألمان المتخصصين بشتى العلوم، وتنقلهم إلى أميركا، وتكرر المشهد عندما دخل الأميركيون إلى العراق واختطفوا العلماء ونقلوهم إلى أميركا، ومن رفض الانصياع لأوامرهم كان يعدم رمياً بالرصاص. هكذا هي الدول الكبرى التي تطور قدراتها بمختلف المجالات بإغراء علماء أجانب بالأموال والمناصب والجنسية، كأفضل طريقة وأقصرها وأسهلها وأرخصها، فتحصل عليهم (بقراطيسهم وبكراتينهم) جاهزين لتطوير إمكانات هذه الدول.  

عندما يتقدم الطلاب للالتحاق بأي جامعة أميركية تطرح عليهم، من خلال نماذج القبول، أسئلة تتعلق باهتماماتهم العلمية والثقافية وهواياتهم الرياضية. لهذا، تكون الإدارة الجامعية، وأحيانا الشركات والأندية الرياضية على علم بما يمكن أن يكون عليه هؤلاء الطلبة مستقبلاً، فيعدونهم ليكونوا علماء بالعلوم التطبيقية أو بالاقتصاد أو بالرياضة، فتجني المؤسسات الأميركية أرباحاً طائلة. هذا هو الجواب على السؤال الأزلي: لماذا تنتظر الدول المتقدمة لمدة قد تصل إلى أكثر من 16 سنة للحصول على عالِم، بينما الفرصة مواتية بأقصر الطرق وبأقل التكاليف بالاعتماد على المهاجرين الجدد والوافدين إليها ليفيدوا مؤسساتهم البحثية ومصانعهم وأنديتهم الرياضية؟

في الكويت يحدث العكس تماماً... فالدولة تتكبد في تعليم كل طالب كويتي مبلغاً لا يقل عن 80 ألف دينار في المتوسط خلال 18 سنة متواصلة تمتد من مرحلة رياض الأطفال حتى نهاية المرحلة الجامعية، ونحن هنا لا نأخذ بعين الاعتبار طلبة الطب الذين يدرسون ثلاث سنوات إضافية، ناهيك عن تكاليف البعثات المحلية والخارجية، لترتفع هذه التكاليف إلى أكثر من 150 ألف دينار خلال هذه السنوات الدراسية المرهقة لميزانية الدولة، المسؤولة عن نصف مليون طالب وطالبة.

خلال جائحة فيروس كورونا التي امتدت من أواخر سنة 2019 حتى بداية سنة 2022، كل دول العالم اكتشفت مدى حاجتها الماسة إلى مختلف التخصصات الطبية، بعدما اتضح لها حجم النقص في الكادر الطبي، الذي أُجْهِدَ بالعمل على مدار الساعة، وهو ما أجبر وزارة الصحة الكويتية لأن تعتمد على أطباء أجانب استقدمتهم من دول عدة لسد النقص في كادرها الطبي.

ورغم ذلك حدث ما يلي: عشرة أطباء (من المقيمين بصورة غير قانونية) أو من كان يطلق عليهم (البدون)، درسوا في مدارس الكويت وأنهوا تخصصاتهم المتنوعة في الطب بجامعة الكويت، بعد أن أرهقوا ميزانية الدولة، وانضموا إلى قافلة المتطوعين لمواجهة جائحة كورونا، رغم رفض الحكومة الكويتية معاملتهم كوافدين لتمنحهم أي مبلغ شهري نظير خدماتهم المتميزة. وفي يونيو 2020، وعلى غير المتوقع، قامت سفارة المملكة المتحدة بالاتصال بهؤلاء الأطباء العشرة ومنحتهم تأشيرات لدخول بريطانيا ومن ثم الحصول على جنسيتها.

وكأن حكومة الكويت تريد أن تقول للدول الأخرى «تفضلوا... خذوا هؤلاء الأطباء، ببلاش، فقد أنفقنا عليهم الملايين، وأعددناهم ليكونوا جاهزين لكم على طبق من ذهب». تخيل... بريطانيا العظمى، التي اعتاد الكويتيون أن يتلقوا علاجاتهم في مستشفياتها طوال 6 عقود، كشفت عن نقص حاد في عدد الأطباء بمختلف التخصصات في مؤسساتها العلاجية، فلم تتردد في أن تستقطب هؤلاء الأطباء الذين كان يجب على الحكومة الكويتية في تلك الفترة أن تعاملهم معاملة الكويتيين، ناهيك عن منحهم الجنسية.

لقد سطرت عشرات المقالات منادياً بإلقاء القبض على المزورين وكل من «يرضع من ديدين»، ولكن... في مسألة حاجة البلد إلى التخصصات النادرة، يجب تفعيل الاستثناء، ومن باب الإنسانية... هذا نداء إلى سيدي صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أميرنا المفدى، حفظه الله ورعاه، لأنني أعرف شخصياً إنسانيته الطاغية، فسموه بعد الله سبحانه وتعالى، مفتاح الأمن والأمان لهذه الأرض الخيرة.

back to top