هل توشك فرنسا ديغول على الانهيار؟

نشر في 09-10-2026
آخر تحديث 08-10-2026 | 18:47
 وول ستريت جورنال

«طوال حياتي، كنت أحتفظ بفكرة معينة عن فرنسا».

بهذه الكلمات يبدأ شارل ديغول مذكراته عن الحرب العالمية الثانية، وهي كلمات يتردد صداها في السياسة الفرنسية كما تتردد بداية رواية بروست الشهيرة في الأدب الفرنسي. امزج استراتيجية جورج واشنطن بحنكة توماس جيفرسون السياسية، وأضف إليهما نفحة من العظمة النابليونية ورشة من الهالة الكاثوليكية، وستجد أن ذكرى ديغول تحوم فوق فرنسا كقبة كاتدرائية.

وليس غريباً، إذن، أن يحقق فيلم أنتونان بودري «معركة ديغول»، المؤلف من جزأين، نجاحاً لدى الجمهور الفرنسي. يبدأ الفيلم بهزيمة فرنسا أمام ألمانيا النازية في يونيو 1940. لكن ديغول رفض الاستسلام. ومن منفاه في لندن، كتب أنه «أعاد خلق فرنسا من العدم». وينتهي الفيلم بديغول، العنيد والمثير للغضب، يقود فرنسا الحرة ويستضيف في باريس حليفه وخصمه ونستون تشرشل.

وفي عام 1958، فعل ديغول ذلك مرة أخرى. فقد أصيبت الجمهورية الرابعة بالشلل بسبب الانقسام السياسي والحرب الجزائرية. عاد ديغول من التقاعد، وأعاد تصميم الدستور ليؤسس الجمهورية الخامسة الحالية، ثم أنهى في 1962 تورط فرنسا في المستنقع الجزائري.

لكن عند قراءة استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية المقبلة في ربيع 2027، قد تبقى الجمهورية الخامسة قائمة بالاسم فقط. وإذا شاهد المرء مشاهد طلاب من أقليات يشعلون النار في مدارسهم ويعتدون على معلميهم، بينما يشجعهم سياسيون من اليسار المتطرف، فقد يبدو أن فكرة ديغول نفسها عن فرنسا تتعرض للحريق.

منح ديغول الجمهورية الخامسة رئاسة قوية، ومنذ 1962 نظاماً انتخابياً رئاسياً من جولتين. كان هدفه إبعاد المتطرفين، ودفع الناخبين في الجولة الثانية إلى الاختيار بين مرشحين معتدلين تتقاطع سياساتهما.

أما اليوم، فتبدو استطلاعات الانتخابات المقررة في أبريل ومايو 2027 أقرب إلى كابوس ديغول: رئاسة قوية في أيدي خصومه.

مارين لوبان، زعيمة التيار القومي، تقترب من الجولة الأولى وهي تتوقع الحصول على نحو 35% من الأصوات وفق الاستطلاعات المذكورة في المقال. وفي المقابل، يحصل جان-لوك ميلونشون على نحو 18%. وقد يؤدي ذلك إلى استبعاد إدوار فيليب، رئيس الوزراء السابق لإيمانويل ماكرون والمرشح الوسطي البارز، من الجولة الثانية.

ومع عودة فرنسا إلى العمل في سبتمبر، أطلق حلفاء ميلونشون في النقابات الحكومية إضرابات. وانضم اتحاد طلاب المدارس الثانوية، الذي تملكه فرنسا فعلاً، محتجاً على الاكتظاظ ونقص التمويل. وفي أنحاء البلاد، اندلعت اضطرابات شارك فيها طلاب من اليسار ومهاجرون، كثير منهم مولودون في فرنسا.

وفي ضاحية سان دوني شمال باريس، حيث دُفن ملوك فرنسا في كاتدرائيتها، حضر ميلونشون ونواب حزبه بين الطلاب وشجعوهم. وقال ريتشي تيبو، وهو مساعد برلماني سابق في حزب «فرنسا الأبية»، للطلاب في الأول من أكتوبر: «سنهاجم جميع مراكز الشرطة في هذا البلد». وكان يأمل في إحراق قصر الإليزيه في اليوم التالي، لكنه انضم بدلاً من ذلك إلى مئات المعتقلين.

بالنسبة إلى فرنسا، تمثل أعمال العنف ذات الأبعاد العرقية والدينية أحدث جولة فيما سماه الكاتب البريطاني أندرو هوسي «الانتفاضة الفرنسية»: صراع طويل ومتزايد الحدة بين الدولة الفرنسية ومهاجرين غير بيض، غالبيتهم مسلمون، قدموا من المستعمرات الفرنسية السابقة. وكما لاحظ هوسي، يستهدف الطرفان رموز الدولة الفرنسية والثقافة الأوروبية.

لكن جوهر الأزمة أعمق من أعمال الشغب. فلوبان وميلونشون يحملان فكرتين لا تنسجمان عن فرنسا.

قال ميلونشون في 2024: «ليست ديناً، وليست لون بشرة، وليست لغة. إنها عقد سياسي». وهو يدافع عن مفهوم «الكريولية»، أي مزج ثقافات المهاجرين والسكان الأصليين، ويقدم حزبه «فرنسا الأبية» باعتباره حزب «فرنسا الجديدة».

ويرى ميلونشون أن النظام القديم ينهار. ففي يونيو قال: «إنه النظام القديم، نحن في عام 1788»، مشبهاً الجمهورية الخامسة بملكية آل بوربون التي أدى إفلاسها إلى الثورة الفرنسية عام 1789.

وقد يكون أكثر صواباً مما يدرك. فخطابه يتيح لمارين لوبان أن تقدم نفسها ممثلةً لفرنسا أقدم وأعمق، فرنسا التي تقف، كما حدث عام 1940، على ركبتيها.

كان والد مارين لوبان، جان ماري لوبان، قد دافع عن المتعاونين مع حكومة فيشي عام 1940، واتهم ديغول بخيانة الفرنسيين في الجزائر والمحاربين القدامى أمثاله. أما ابنته فتتحدث اليوم بلهجة تقترب من لهجة ديغول في قضيتين أساسيتين: الهجرة والنظام.

كان ديغول قد قال عام 1959 إن الفرنسيين والجزائريين يشبهون الزيت والخل: «رجّ الزجاجة، وبعد فترة سينفصلان من جديد». وكان يعارض هجرة ملايين المسلمين، محذراً من أن قريته، كولومبي ليه دو زيغليز، قد تتحول إلى «كولومبي ليه دو مَساجيد»، أي «كولومبي ذات المسجدين».

وكان عنوان مجلة «ماريان» في الأول من أكتوبر: «ديغول يعود». وسألت غلافها: ماذا كان «الجنرال» سيقول لفرنسا التي أحبها في عام 2026؟

الإجابة، كما يتخيلها غرين، لا تحتاج إلى كثير من التفكير: «لقد جنّوا!»

* دومينيك غرين «زميل أول سابق في مركز دراسة أمريكا والغرب (FPRI). وهو مؤرخ وكاتب عمود وناقد، ومؤلف ثلاثة كتب، من أبرزها الحياة المزدوجة للدكتور لوبيز: الجواسيس وشكسبير ومؤامرة تسميم إليزابيث الأولى (راندوم هاوس، 2003)، و*ثلاث إمبراطوريات على النيل: الجهاد الفيكتوري، 1869-1899 (فري برس، 2007)، والثورة الدينية: ولادة الروحانية الحديثة، 1848-1898 (Farrar، Straus and Giroux، 2022).».

back to top