ماذا حدث في طائرة فلاي دبي؟
كلما عرفنا المزيد عن الكارثة التي كانت وشيكة، التي تعرّضت لها الرحلة 1073 التابعة لشركة فلاي دبي، بدا الحادث أكثر فأكثر أشبه بمعجزة.
عندما بدأ مساعد الطيار مهاجمة القبطان سميت ماتشّار بفأس الطوارئ، بعد ما يزيد قليلاً على ساعتين من إقلاع الرحلة، كانت فرص نجاة أكثر من 170 راكباً وعضواً في الطاقم ضئيلة إلى حد يكاد لا يُصدق. ووفقاً لتقارير «وول ستريت جورنال»، خلُص مسؤولون سعوديون أجروا لاحقاً مقابلة مع مساعد الطيار إلى أنه كان ينوي إسقاط الطائرة. وكاد ينجح. لكن خلال دقائق، اتخذ ركاب عاديون وموظفون في «فلاي دبي» قرارات حاسمة أنقذت الطائرة التي بدا أنها محكوم عليها بالهلاك.
كثيراً ما يفاجئ المدنيون الخبراء، بل ويفاجئون أنفسهم، بتصرُّفهم البطولي في حالات الطوارئ. فعقب زلزال ألاسكا عام 1964، مثلاً، خشي مسؤولون في الولاية أن يتجمد الناس من شدة الذعر أو يلجأوا إلى خرق القانون. وبدلاً من البحث عن الناجين، أُرسل بعض أفراد الشرطة لحماية المتاجر المحطمة من اللصوص. لكن السكان، بعيداً عن النهب، كانوا يشكلون فرق إنقاذ ارتجالية.
وقد ذكّر رد الفعل السريع لركاب الرحلة 1073 كثيراً من الأميركيين بالطريقة التي اقتحم بها مدنيون قمرة قيادة الرحلة 93، في عمل بطولي أحبط الهجوم الأخير بالطائرة في هجمات 11 سبتمبر. وهناك واقعة أخرى في ذلك اليوم، أقل شهرة، تحمل القصة نفسها. فبعد انهيار برجَي مركز التجارة العالمي، تجمّع مئات من أصحاب القوارب المدنيين في ميناء نيويورك للمساعدة في إجلاء نحو 500 ألف ناجٍ من مانهاتن السفلى.
وقد اشتهر عالم القانون غلين رينولدز بعبارة «جيش من ديفيد» لوصف الطريقة التي يتكاتف بها الناس خلال كثير من الأحيان في الظروف القصوى. وبما أن معظم ركاب الرحلة 1073 كانوا إسرائيليين، تبدو هذه العبارة مناسبة بصورة خاصة.
أدّى المدنيون أدواراً حاسمة منذ بداية الأزمة، كانت امرأة ترافق ابنتها إلى الحمام عندما سمعت صرخات صادرة من قمرة القيادة. فأبلغت طاقم المقصورة وركاباً آخرين، سارع عدد منهم إلى التدخل.
وفي الوقت نفسه، كان القبطان ماتشّار، المصاب بجروح بالغة والذي كان يهوي إلى الأرض، يدرك أن أمله الوحيد يكمن في الجهة الأخرى من باب قمرة القيادة المغلق. وفي مكالمة عبر الفيديو من سريره في المستشفى، قال ماتشّار لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي: «عرفت في تلك اللحظة: دفعة أخيرة يا سميت! افعلها فحسب! الباب هناك تماماً».
تمكّن الطيار من فتح الباب، ثم انهار. وفي تلك اللحظة كانت الطائرة تهوي في انحدار حاد وتقترب من سرعة الصوت. وتُظهر بيانات موقع «فلايت رادار 24» أن طائرة بوينغ 737 ماكس 8 هبطت 17.400 قدم خلال 92 ثانية.
كان يانيف هايون، وهو سبّاك من ضواحي تل أبيب مسافراً مع عائلته، أول من دخل قمرة القيادة. رأى مساعد الطيار، حمام الحمامي، يضرب لوحة أجهزة القيادة. وقال هايون للقناة 12 الإسرائيلية: «كان يحاول تحطيم المعدات». فأمسك هايون بمساعد الطيار من عنقه، وساعده ركاب آخرون على إخراجه من قمرة القيادة.
وتصف روايات كثيرة هايون بأنه سحب طائرة بوينغ 737 ماكس 8 بمفرده من غوصها شبه القاتل. لكنه قال للقناة 12 إن الطائرة كانت قد بدأت تستعيد وضعها الأفقي قبل دخوله قمرة القيادة. ومع ذلك، ظل مقدّم الطائرة موجهاً نحو الأرض الصحراوية. فسحب هايون عمود التحكم إلى الخلف وشعر بأن مقدمة الطائرة ترتفع.
وبالطبع، لم يكن هناك أي احتمال لأن يتمكن شخص غير مدرّب على قيادة الطائرات من الطيران بالطائرة والهبوط بها، ولا سيما مع تضرر لوحة أجهزة القيادة، ومع تمزق جزء كبير من دفة الاتجاه خلال الهبوط فائق السرعة.
لكن المعجزات لم تتوقف، كانت الرحلة 1073 تقلّ طيارين اثنين مسافرين بصفتهما طاقم «ميت» في طريقهما إلى موقع عملهما، فاندفعا إلى قمرة القيادة وسط الفوضى وتولّيا السيطرة من هايون على الفور تقريباً. وكان من المقرر أن يقود الطياران المرحلة التالية من الرحلة، مما يعني أنهما كانا مؤهلين تحديداً لقيادة طائرة 737 ماكس 8. وكانت معرفتهما بهذا الطراز حاسمة بصورة خاصة بالنظر إلى الأضرار التي لحقت بالطائرة.
وتُظهر بيانات الرحلة أن الطيارين كافحا للسيطرة على الطائرة لعدة دقائق قبل أن يتمكنا من تحقيق طيران مستقر. وكان هايون قد خشي في البداية أن يكون الطياران جزءاً من مؤامرة إرهابية أيضاً، فظل يراقبهما لعدة دقائق إلى أن اقتنع بأن الطائرة أصبحت في أيدٍ أمينة.
وفي المطبخ الأمامي للطائرة، حيث كان القبطان ماتشّار الملطخ بالدماء ومساعد الطيار المقيّد ملقيين على الأرض، استمرت الدراما.
كان طبيب الأسنان من تل أبيب، د. شوتا موساييف، يحاول وقف النزيف الغزير من جروح القبطان. وفي الوقت نفسه، كان مساعد الطيار يتوسل قائلاً: «اقتلني، اقتلني، أرجوك»، وفقاً لما نقله د. موساييف لشبكة إيه بي سي نيوز.
وبعد احتجازه، أفادت تقارير بأن مساعد الطيار حمام الحمامي أبلغ المحققين بأنه كان يعتزم إسقاط الطائرة في مطار بن غوريون الإسرائيلي، في هجوم على غرار هجمات 11 سبتمبر.
والأغرب من ذلك أن بعض أفراد طاقم المقصورة في «فلاي دبي» أصروا على أن يقوم الركاب بفك قيود الحمامي، وفقاً لما قاله راكبان لصحيفة نيويورك بوست.
عند هذه النقطة، لم يعُد الركاب يثقون بأي سلطة سوى حكمهم الخاص.
ويتذكر تسفيكا مانيس، وهو مصرفي إسرائيلي كان مسافراً مع بناته الثلاث، أنه قال لأفراد الطاقم: «من الآن فصاعداً، نحن مَن يدير الأمر، وأنتم تفعلون ما نقوله». ثم أمروا طاقم المقصورة بالابتعاد عن منطقة قمرة القيادة، وعيّنوا «رجلاً ضخماً» لحراسة الباب.
عندما صعد ركاب الرحلة 1073 إلى الطائرة ذلك الصباح، لم يكن أي منهم يعلم أنه على وشك خوض صراع شرس على الحياة والموت.
قال مانيس: «لم يكن أيّ منّا مقاتلاً أو بطلاً. كنا مجرد رجال عاديين أرادوا إنقاذ عائلاتهم».
أحياناً، تعتمد حضارتنا على مجموعة من الرجال العاديين، جمعتهم أزمة واحدة وألقت بهم في مواجهة ظروف استثنائية.
* جيمس ب. ميغز