الصدقة تحل مشكلة... والوقف يبني الحل المستدام

نشر في 09-10-2026
آخر تحديث 08-10-2026 | 18:33
 سعدون عبدالله العلي

إن إدارة الوقف ينبغي ألا تنظر فقط إلى العائد الذي يحققه اليوم، بل إلى قُدرته على الاستمرار وتحقيق أثره عبر الزمن.

اليوم أتناول معكم فكرة واحدة، هي: أي فرق تشعر به حين تتصدَّق وحين تُوقف؟ 

أدعوك إلى أن تتخيَّل معي المشهد التالي: شاب في العشرينيات أو الثلاثينيات من عُمره، يُمسك هاتفه، يفتح تطبيقاً لإحدى الجمعيات الخيرية، يُرسل عشرة دنانير لأُسرة محتاجة، وبعدها تصل المساعدة، وتُحل مشكلة اليوم... هذا جميل ورائع ومطلوب، لكن السؤال الذي يجب أن يُقلقنا جميعاً: ماذا عن الغد؟ 

هنا بالضبط يكمن الفرق بين تفكيرنا بـ «الصدقة» وحرصنا على «الوقف». 

العطاء اللحظي جميل ومطلوب، لكن الأجمل أن يبقى أثر هذا العطاء- وإن كان لحظياً- بعدك، ويستمر. فحين يُسهم هذا الإنسان في وقف، ويستثمر ماله بطريقةٍ سليمةٍ ومدروسة، فإن العائد لا يتوقف عند وجبةٍ واحدةٍ أو علاجٍ يومي أو شهري، بل يتحوَّل إلى مصدر تمويل متجدِّد لغذاء مستمر، وليس لحظياً، أو لعلاج حين تشتد الحاجة، أو لتعليمٍ يصنع مستقبلاً. وهنا نُدرك أن الصدقة تُطفئ حريقاً، والوقف يبني نظام إطفاء دائماً لا ينقطع. هذا ما يشغلني وأفكر فيه، ودفعني لكتابة هذه المقالات، خصوصاً أننا مع جيلٍ جديد يفهم لغة «الاستثمار»، و«العائد»، و«الأثر المستدام»... جيل لا يُريد فقط أن «يشعر بالرضا» وهو يتبرَّع، بل يُريد أن يرى النتيجة، وأن يعرف أن أثره لن يتوقف بمجرَّد أن تنتهي المعاملة البنكية للتبرُّع... جيل يسأل نفس سؤال عمر بن الخطاب حين حصل على أرضٍ بخيبر، فأتى النبي ﷺ يسأله عما يفعل فيها، فقال له النبي ﷺ: «إن شئت حبست أصلها، وتصدَّقت بها»، فأوقفها عمر، فلا تُباع، ولا تُوهب، ولا تُوَرَّث. 

هذا الجيل يُريد أن يتصدَّق، ولو بالقليل، وحين تُقدَّم له فكرة الوقف بلغته، لا بلغة الماضي، سيجد فيها بالضبط ما كان يبحث عنه: عطاءً ذكياً، وليس عاطفةً تنتهي بانتهاء اللحظة، بل بقرارٍ استثماري له بُعد أخروي ودنيوي معاً. أؤمن بأن الوقف لا يلغي الصدقة، ولا ينافسها، فالصدقة تُسعف الجرح، والوقف يبني المستشفى الذي يُعالج كل الجروح القادمة. الأول استجابة سريعة، والثاني استجابة دائمة تسعى إلى بنية تحتية للخير المستدام. 

أنا أدعو للثاني، فهو يضمن ويحقق الأول. أدعو إلى أن نتصدَّق بأن نُوقف، لأنني أُريد أن ننتقل من إطفاء الحرائق إلى بناء ما لا يحترق، وأريد أن نصل للشباب.

إن ما يشغلني في هذه المقالات ليس الحديث عن الوقف وصيغه التقليدية، بل الوصول إلى شريحة الشباب، وربطهم بهذه الآلية (أقصد الوقف)، بمساراته وطُرقه الحديثة، وبمصطلحاتهم هُم، فهم المستقبل، فإذا كان الوقف للمستقبل، فإن حديثنا أيضاً سيركز على هذه الشريحة المسؤولة عن المستقبل... وللحديث بقية.

back to top