زمكان عالم الذرّْ!
يعيش الإنسان في رحلته الخالدة من العدم إلى الخلود متنقلاً عبر العديد من زمكان العوالم المختلفة في نواميسها وأشكالها، وتبدأ بعالم الذرّ (عالم الأرواح)، وتنتهي بالخلود في الجنة أو في النار، عياذاً بالله، مروراً بعالم الأجنة (عالم الأرحام)، وعالم الحياة الدنيا، وعالم البرزخ، وعالم البعث والنشور (عالم الآخرة).
وذكر الله تعالى في الآية 172 من سورة الأعراف موقفاً عجيباً في عالم الذرّ، حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾.
وأخبرنا نبينا، صلى الله عليه وسلم، بأننا لما كُنا في عالم الذر التقينا فيه، وتعارف بعضنا ببعض. ففي حديثه بصحيح البخاري: «الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ، فما تعارفَ منها ائتلف، وما تناكرَ منها اختلف»، وهذا تفسير لظاهرة تآلفك مع أشخاص لم تلتقهم من ذي قبل. فلا تتعجَّب إذا التقيت شخصاً للمرة الأولى، أن يتملكَّك شعور عجيب أنك التقيته قبل ذلك، وهو إحساس صحيح، لأنك التقيته في عالم الذر.
ولكل عالم من هذه العوالم «زمكان»، أي له زمن مقدَّر ومكان معلوم، فعالم الذر كُنا فيه مع أبينا آدم، عليه السلام، في جنته، لما استخرجنا ربنا بمسحة من يمينه المباركة على ظهر آدم، وأشهدنا على أنفسنا (ألست بربكم)، وكان الجواب: (بلى شهدنا). وتيقنا أن لنا رباً وخالقاً واحداً، هو الله، سبحانه وتعالى.
ولكون الإنسان يغلب عليه النسيان، فلما جئنا إلى الدنيا نسي معظم البشر هذا الميثاق وهذا العهد، وضل خلق كثير، حتى إن منهم مَنْ عَبَد البقر والأصنام، بل عبدوا الشجر والحجر، وألحد آخرون، ونفوا أن يكون للكون إله! وأجلب الشيطان بخيله ورجله على آخرين، فاتخذوه إلهاً من دون الله، وما جزيرة إيبستين منا ببعيد.
فالسعيد حقاً مَنْ اهتدى إلى طريق الله، ورضي بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد، صلى الله عليه وسلم، نبياً ورسولاً، ومَنْ كان قبل مجيء رسولنا الكريم آمن برسوله في زمانه ورسالته. والشقي مَنْ ضل وزاغ وتردى في غياهب الكُفر والضلال والإلحاد، وانتقل من هذا العالم بخطيئته التي أحاطت به، وأودت به في نار لا ينطفئ لهيبها، أجارنا الله وإياكم منها ومن كل سبيل يؤدي إليها.