فلسفة النجاح... استمر

نشر في 08-10-2026
آخر تحديث 07-10-2026 | 20:26
 د. عبدالمحسن التركي

في الحياة، لا توجد رحلة بلا عثرات، ولا نجاح بلا محاولات لم تنجح.  فالطبيعة نفسها لا تعرف الاستسلام. قد يطارد الأسد فريسته مرات عديدة دون أن ينجح، لكنه لا يعتبر أن المحاولة الفاشلة تعني نهاية الطريق. يحاول من جديد، ويتعلم، وينتظر فرصة أخرى. وربما هنا أحد أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها: 

ليست كل محاولة مطالبة بأن تنتهي بالنجاح. لكن الإنسان أحياناً يكون أقسى على نفسه من الحياة نفسها. 

يفشل في اختبار، فيظن أنه فاشل. يخسر فرصة، فيعتقد أن الفرص انتهت. يتعثر في مشروع، فيحكم على نفسه بأنه غير قادر. وكأن نتيجة واحدة تستطيع أن تختصر قصة إنسان كاملة. 

وأنا شخصياً مررت بلحظة كان من الممكن أن تغيّر مسار حياتي بالكامل. عندما كنت طالباً في كلية الجراحين الملكية في أيرلندا، كان لدي أستاذ في إحدى المواد النظرية، البروفيسور نولان. 

في أحد الاختبارات، كان أدائي، بصراحة، سيئاً. لم يكن ذلك بسبب عدم اهتمامي بالدراسة، إنما كانت تلك الفترة من أصعب الفترات التي مررت بها. كانت أيام الغزو الغاشم للكويت، أهلي كانوا في الكويت، وأنا وأخي خارج البلاد، وكنا نعيش القلق على أهلنا ووطننا، لا نعرف ماذا سيحدث في اليوم التالي. 

والحمد لله، انتهت تلك المحنة، وعادت الكويت حرة أبية. بعد الاختبار، تحدث معي البروفيسور نولان بصراحة شديدة. قال لي إن أدائي كان سيئاً، وإنه لا يعتقد أنني قد أصلح لأن أصبح طبيباً، ونصحني بأن أختار طريقاً آخر بعيداً عن الطب. 

في ذلك الوقت، لم تكن كلماته سهلة.  لكنني اليوم، وبعد كل هذه السنوات، مازلت أشكره عليها. فقد كانت من أفضل النصائح التي تلقيتها في حياتي. ليس لأن نصيحته كانت صحيحة، وإنما لأنها جعلتني أراجع نفسي وأقرر أن أفعل العكس تماماً. لم أبحث عن الأعذار، ولم أحمّل الظروف مسؤولية ما حدث. 

قلت لنفسي: إذا كان هذا هو مستواي، فعليّ أن أغيّره. 

فبذلت جهداً أكبر، ودرست أكثر، وتمسكت بحلمي، وأكملت الطريق. والحمد لله، توفقت، وأصبحت طبيباً، ثم أكملت مشواري في الجراحة والتخصص، ومازلت إلى اليوم أتعلم وأعمل وأحاول أن أكون أفضل. وأحياناً أتساءل: ماذا لو صدقت كلامه؟ ماذا لو اعتبرت ذلك الاختبار حكماً نهائياً على قدراتي؟ ماذا لو قلت لنفسي: ربما هو محق، وربما أنا لا أصلح للطب؟ 

ربما كانت حياتي ستأخذ طريقاً مختلفاً تماماً. لكنني تعلمت من تلك التجربة درساً لم أنساه: لا تجعل نتيجة واحدة تختصر قصتك كلها. 

قد يرى الآخرون تعثرك، لكنهم لا يرون دائماً الظروف التي أحاطت بك. وقد يرون نتيجة واحدة، لكنهم لا يعرفون ماذا تستطيع أن تفعل عندما تقرر أن تبذل كل ما لديك.

وهذا لا يعني أن نرفض النقد أو نتجاهل النصائح التي لا تعجبنا. بل يعني أن نستمع، ونراجع أنفسنا، ونسأل بصدق: 

هل أنا فعلاً غير قادر؟ أم أنني فقط لم أبذل ما يكفي بعد؟ فالنجاح ليس أن تكون الأفضل منذ البداية. 

النجاح أن تتعلم من أخطائك، وأن تكون أفضل من نفسك التي كانت بالأمس. أن تجعل من الفشل معلماً لا حكماً. وأن تحول اللحظة التي ظننت أنها نهاية الطريق إلى بداية جديدة. 

بعد سنوات طويلة، أصبحت أؤمن أن بعض الكلمات التي تؤلمنا في وقتها قد تكون هي نفسها الكلمات التي تدفعنا إلى اكتشاف قدرات لم نكن نعرف أنها موجودة في داخلنا.

وربما لم يكن البروفيسور نولان يعرف أن كلماته ستبقى معي كل هذه السنوات.

لكنه، من حيث لا يعلم، ترك في داخلي درساً لم أفهم عمقه يومها، وأدركته أكثر كلما تقدمت بي الحياة:

أن الإنسان لا يُقاس بأضعف لحظاته، ولا يُحكم عليه من خلال عثرة واحدة، ولا تُكتب نهايته في اختبار لم يوفّق فيه.

واليوم، عندما أسترجع تلك الحادثة، لا أسترجعها باعتبارها موقفاً مؤلماً من الماضي، بل باعتبارها واحدة من المحطات التي صنعتني.

وأتخيل أحياناً ذلك الطالب الذي كان يقف أمام أستاذه، يسمع منه أنه قد لا يصلح لأن يكون طبيباً.

لو استطعت أن أعود إليه اليوم، بعد كل هذه السنوات، لقلت له: لا تخف. لا تجعل هذه اللحظة أكبر من حلمك. ابذل أكثر، وتعلم أكثر، واصبر أكثر... ثم أكمل. 

ولذلك، ربما تكون هذه هي الرسالة التي أريد أن أتركها لكل إنسان يمر اليوم بلحظة شك في نفسه: لا تجعل فشلاً عابراً يحكم على مستقبلك. لا تجعل رأياً قيل لك في لحظة معينة يصبح حقيقة تعيش بها طوال عمرك. اسمع النقد، وتعلم من أخطائك، واعترف بتقصيرك إن قصّرت، ثم أصلح ما تستطيع إصلاحه. 

لكن لا تستسلم. فقد تكون المسافة بينك وبين ما تحلم به أكبر مما تتمنى، لكنها ليست بالضرورة أكبر مما تستطيع أن تقطعه. وقد يكون ما تعتبره اليوم خسارة هو الدرس الذي ستشكر الحياة عليه غداً. وأنا شخصياً، لو لم يحدث ذلك الاختبار، ولو لم يقل لي البروفيسور نولان ما قاله، ربما لم أكن سأبذل ذلك الجهد الإضافي، وربما لم أكن سأكتشف مقدار ما أستطيع أن أفعله عندما أرفض الاستسلام. 

ولهذا، فإنني لا أنظر اليوم إلى تلك الكلمات باعتبارها حكماً كاد أن يوقفني، بل باعتبارها شرارة أشعلت في داخلي إصراراً لم أكن أعرف أنه موجود.

وهنا أصل إلى الخلاصة التي علمتني إياها الحياة، لا الكتب وحدها: ليس مهماً كم مرة تعثرت. وليس مهماً كم مرة أخطأت. وليس مهماً كم مرة قال لك الآخرون إنك لن تستطيع. 

المهم ماذا فعلت بعد ذلك. هل بقيت على الأرض؟ أم نهضت؟ هل صدقت أن النهاية قد جاءت؟ أم آمنت أن هناك صفحة أخرى لم تُكتب بعد؟ لأن النجاح في النهاية ليس حياة بلا فشل، ولا طريقاً بلا عثرات. النجاح أن تملك الشجاعة لتبدأ من جديد كلما انتهت محاولة. وربما لهذا السبب، عندما أنظر إلى سنوات حياتي الآن، لا أرى أن أهم انتصاراتي كانت في المرات التي نجحت فيها من أول مرة، إنما في المرات التي كان من السهل جداً أن أستسلم فيها... ولم أفعل. 

ولهذا، لو طلب مني أحد أن أختصر كل ما تعلمته في الحياة، وكل ما علمتني إياه تلك التجربة القديمة مع البروفيسور نولان، وكل ما رأيته خلال سنوات الدراسة والعمل والجراحة، في كلمة واحدة فقط، فلن أتردد: استمر. فقد تتأخر، وقد تتعثر، وقد تفشل، وقد يشك بك الآخرون... لكن ما دمت مستمراً، فقصتك لم تنتهِ بعد. 

* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة في معهد الكويت للتخصصات الطبية

باحث، قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

back to top