عالج البيئة لتعالج المريض

نشر في 07-10-2026
آخر تحديث 06-10-2026 | 18:25
 د. حمد محمد علي ياسين

حين يكون نحو واحدٍ من كل أربعة بالغين مصاباً بالسكري، وحين تُصبح زيادة الوزن والسمنة هي القاعدة، لا الاستثناء، فنحن لا نتحدَّث عن حالات فردية تحتاج إلى مزيدٍ من النصائح، بل عن بيئة كاملة تدفع الناس، بهدوء، في الاتجاه الخطأ. 

قبل فترة، نشرنا مقالاً علمياً بمجلة اللانست للسكري، ناقشنا فيه أسباب الارتفاع الكبير في معدَّلات السكري بمنطقتنا. والرسالة الأساسية كانت واضحة: السكري مرض معقَّد، تصنعه الجينات والبيئة معاً. 

المشكلة أن أجسادنا لم تتغيَّر بالسرعة التي تغيَّرت بها حياتنا. ما كان يتشكَّل عبر آلاف السنين، وجد نفسه خلال عقودٍ قليلة أمام وفرة غير مسبوقة من الطعام، وقلة في الحركة، ونمط حياة لم يعرفه أجدادنا. 

الجينات تحتاج إلى أجيال كي تتغيَّر. أما نمط حياتنا، فقد تغيَّر في جيلٍ واحد. وهنا تحديداً توجد مساحة العمل الحقيقية: البيئة من حولنا. فاليوم يمكن للطعام أن يصل إلى باب المنزل خلال دقائق، والسيارة تختصر خطواتنا، والمصعد يلغي السلالم، والساعات الطويلة نقضيها جلوساً. لذلك، لا يكفي أن نقول للناس: «قللوا الطعام، وتحرَّكوا أكثر». فالمشكلة ليست نقصاً في معرفة الناس بما هو صحي، بل في بيئة تجعل تطبيق هذه المعرفة يومياً أمراً شاقاً. 

نحن بحاجة إلى نهجٍ شمولي يُعيد تصميم البيئة من حولنا، بحيث يُصبح الخيار الصحي أسهل، وأقل كلفةً، وأكثر إتاحةً من الخيار غير الصحي. 

في بريطانيا، فُرضت ضريبة على المشروبات وفق كمية السكر، فدفعت الشركات إلى خفض السكر في منتجاتها، وترافقت السياسة مع تحسُّن في مؤشرات سمنة الأطفال. والسعودية والإمارات تحرَّكتا أيضاً في هذا الاتجاه. 

وفي تشيلي، وُضعت ملصقات سوداء واضحة على المنتجات عالية السكر، وقُيِّد تسويقها للأطفال وبيعها في المدارس، فانخفض شراء المشروبات المُحلَّاة بصورةٍ ملحوظة. حتى الطقس الحار يمكن التعامل معه، دبي طرحت مشروع ممرٍ مكيَّف للمشي والدراجات بطول 93 كيلومتراً. مثل هذه المشاريع ستُسهم، بكل تأكيد، في نشر ثقافة الرياضة، كما نشرتها حديقة الشهيد وأكثر. 

أما أمستردام، فجعلت الماء والحليب المشروبين الوحيدين في المدارس، وطوَّرت المقاصف، وزادت الرياضة، فانخفضت نسبة زيادة الوزن بين الأطفال. السر؟ المدينة كلها اشتغلت على الهدف، لا جهة واحدة. 

النهج الشمولي يعني أن تعمل الصحة والتعليم والبلدية والإعلام والتجارة والتخطيط العُمراني معاً. الطبيب يُعالج المريض، لكن المجتمع هو الذي يصنع البيئة. وإذا أردنا فعلاً كبح السكري والسمنة، فعلينا أن نغيِّر البيئة قبل أن نلوم الإنسان الذي يعيش داخلها. 

* أستاذ مشارك بعلوم طب الجينوم في جامعة الكويت

back to top