ترويدة: «الأُسْدُ تُخشَى وهي صامتةٌ»
أما ترى الأُسْدَ تُخشَى وهي صامتةٌ
والكلبُ يُخسى لعمري وهو نبَّاحُ
لم أجد أبلغ من بيت الإمام الشافعي لقراءة المشهد الذي نشره وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، داخل زنزانة الأسير الفلسطيني حسن سلامة، حين وقف أمامه مُحاطاً بحُرَّاسه المسلحين، مُوجِّهاً إليه تهديداً بالقتل والإعدام.
أراد بن غفير أن يُرسِّخ انطباعاً بأن القرار في يده، وأن الرجل المُقيَّد لا يملك سوى الخضوع، غير أن الصورة حملت دلالةً أخرى، إذ أظهرت أن القوة الظاهرة لا تعني بالضرورة القوة الحقيقية. فقد بدا بوجهٍ محتقن من شدة الصراخ، وغضبٍ كسا تعابير وجهه، فيما كان سلامة واقفاً أعزل ومقيداً، ومع ذلك لم يبدُ منشغلاً بإثبات شيء، ولم ينخرط في المواجهة التي بدا أن خصمه يسعى إلى فرضها، ولم يمنح عدوه انفعالاً يمكن توظيفه أمام الكاميرا. ظل ثابتاً بمكانه، فيما احتاج الطرف الآخر إلى صفٍ من المسلحين ليُحيط نفسه بمظهر من الهيبة.
فالقيد يُقيِّد الجسد، لكنه لا يضمن إخضاع الإرادة، والسلاح يمنح صاحبه قدرةً على الإيذاء، لكنه لا يمنحه بالضرورة ثباتاً داخلياً. لذلك بدا أن معيار القوة في هذا المشهد لم يكن ما يحمله كل طرف من أدوات، بل ما يملكه من قدرة على التحكُّم في النفس. وقد تجلَّى ذلك في قدرة الأسير على الاحتفاظ برباطة جأشه وعنفوانه، فيما كان عدوه يحاول اختزاله في صورة المهزوم.
كان بن غفير يتحدَّث كثيراً، ويُعدِّد ما فعله وما ينوي فعله، ويعلن رغبته في قتل سلامة وإعدامه. أما حسن سلامة، فلم يحتج إلى خطابٍ طويل، فقد ترك الكلمات لمَنْ جاء بها، وترك لصمته أن يكشف جانباً مما عجز التهديد عن إخفائه. وفي أحيان كثيرة، لا تكشف المواقف عن حجم القوة بقدر ما تكشف عن حجم القلق الكامن خلف استعراضها، ولا تفضح صاحبها الكلمات بقدر ما يفضحه الإصرار على تكرارها أمام الملأ.
ختاماً...
ولهذا يمكن القول إن «السحر انقلب على الساحر»، فالواقعة التي أراد بن غفير أن يسجل بها نصراً دعائياً تحوَّلت إلى شهادة ضده، فبدلاً من إظهار هيبة السجَّان وانكسار الأسير، أظهرت ثبات المقيَّد واضطراب مَنْ يملك السلاح، وأكدت أن كثرة التهديد لا تصنع قوة، وأن الصمت ليس ضعفاً في كل الأحوال.
* صحافية وكاتبة فلسطينية