الأغلبية الصامتة: تلك الوجوه الكالحة
نشرت الجريدة في زاوية «من الآخر» بتاريخ 29/9/2026م الأسطر التالية: «إيران تمارس عدواناً ممنهجاً ضد دول الخليج، بينما تستضيف بعض القنوات العربية مَن يبرره ويجمّله، تحت اسم الرأي والرأي الآخر».
أي رأي آخر هذا وإعلام طهران لا يسمح حتى بنصف صوت يخالف روايته الكاذبة؟! هذه ليست احترافية إعلامية ولا توازناً مهنياً، بل سذاجة تمنح العدو منابر مجانية للدفاع عن عدوانه!
في اعتقادي الشخصي، هذا الموضوع تجاوز مرحلة السذاجة ووصل إلى مرحلة بالغة الخطورة، وهي منح العدو الإيراني (يومياً) عدة فرصة للتقدم علينا في الحرب النفسية وإضعاف الروح المعنوية للرأي العام داخل دول الخليج، خصوصاً أن من يتلقف السردية الإيرانية ويروجها في الشارع العربي المتهيج ضد كل ما هو خليجي، سياسيون ومثقفون عرب.
هذا التواجد الإيراني، وإن كان يندرج في إطار المهنية الإعلامية وعرض وجهات النظر المختلفة، فإن تداعياته النفسية والسياسية تجاوزت حدود التغطية الإخبارية التقليدية، لتمس مباشرة «الروح المعنوية» للمواطنين والمقيمين في المناطق الخليجية المتضررة من القصف أو التهديدات الأمنية الإيرانية.
أنا لا أتحدث عن ظهور محدود للسردية الإيرانية، لكنه حضور مبرمج موزع على أغلب البرامج، وخاصة في قناة الجزيرة التي تبدأ كل صباح مع نفس الوجوه الكالحة التي تبرمجت على الكذب ونفي حقائق البث المباشر للمواقع المدنية والحيوية التي تقصفها صواريخ الحرس الثوري.
لقد حسمت دول الخليج معركة التصدي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية ونجحت في التصدي لها، ولكنها من خلال قنواتها الإخبارية الثلاث اختارت التساهل في الحرب الإعلامية مع خصم صريح في عداوته وأكاذيبه دبلوماسياً وعسكرياً وإعلامياً، وهيهات، وأكرر هيهات، لو فكرت قناة إيرانية من باب «الرأي والرأي الآخر» منح ضيف خليجي دقيقة واحدة على شاشتها، إذ سيكون حسابها عسيراً مع الحرس الثوري.
على الطرف الآخر تعتمد الاستراتيجية العسكرية الإيرانية بشكل أساسي على «الردع النفسي». وحين تقوم القنوات الخليجية بإعادة بث مقاطع الفيديو الدعائية الإيرانية للصواريخ والتهديدات الاستباقية تحت بند نقل الخبر، فإنها تساهم دون قصد في تحقيق الهدف الإيراني: وهو خلق حالة من الانهزام النفسي، وزرع الشك لدى المواطن الخليجي في قدرة المنظومات الدفاعية الوطنية على حمايته.
الآن ما هو المطلوب؟ هل نشطب الخبر والحضور الإيراني على القنوات الخليجية؟ الجواب هو الترشيد والاستثمار في الإعلام الحربي والنفسي وتوفير الكوادر الإعلامية القادرة على تفنيد الشائعات والدعاية الإيرانية فور صدورها، وتقديم محتوى إعلامي استباقي يبني حصانة ذاتية لدى المواطن.
إن الحرب في المنطقة قادمة لا محالة، مضيق هرمز مغلق وأسعار الوقود ترتفع وحاملات الطائرات تحتشد والشتاء قادم، والحرب الإعلامية مستمرة، فهل سنواصل منح نفس الوجوه الكالحة نفس المساحة الإعلامية وصواريخ الحرس الثوري تنزل على مدننا الآمنة؟