قراءة في أحكام قرار «التجارة» بشأن ضبط منصات التوصيل

المحكمة الإدارية أظهرت ضعف القرار من حيث سنده لقانون التجارة الإلكترونية والجزاءات

نشر في 06-10-2026
آخر تحديث 05-10-2026 | 18:27
 حسين العبدالله

كشف الحُكم القضائي الذي أصدرته الدائرة الإدارية الرابعة في المحكمة الكُلية، برئاسة المستشار محمد بهمن، أخيراً، عن ضعف السند القانوني للقرار الوزاري رقم 109 لسنة 2026 بشأن فرض الرسوم على المنصات الإلكترونية المرتبطة بتوصيل الطلبات، وذلك فيما خلص إليه من أسباب تتعلَّق بعدم سلامة الجزاءات أو استناده إلى قانون التجارة الإلكتروني.

وأكدت المحكمة، في أسباب حُكمها، عدم سلامة السند القانوني الذي استند إليه القرار بشأن ابتناء تنظيمه إلى أحكام قانون التجارة الإلكتروني الصادر في فبراير 2026، لعدم دخول الأخير حيِّز التنفيذ حتى الآن، مما يجعله غير صالح لأن يكون سنداً للقرار، وحتى لو دخل حيِّز التنفيذ، فإن أحكامه لا تُسعف جهة الإدارة في اتخاذ الجزاءات بحق المنصات. 

كما أكدت عدم سلامة الأحكام العقابية والجزائية الواردة في القرار، وتحديداً في المادة 15، إذ نصَّت على مجموعة من الجزاءات التي لم يجد الحُكم سنداً لإيرادها في القرار رقم 109، وهو الأمر الذي يجعل القرار- وإن كان نافذاً لجهة تضمنه قواعد حظر تقاضي المنصات الإلكترونية نسباً ومبالغ تزيد على تلك المقررة فيه- لا يُعاقب المنصات بجزاءات حال تحصُّلها على زيادات مالية أو نِسب تفوق النِّسب المقررة، بما يجعل تلك المحظورات غير مرتبطة بجزاءات على إثر ما قرَّره الحُكم بإلغاء المادة 15 من القرار بشأن الجزاءات. 

السوق يحتاج إلى تدخلات من جهاز المنافسة لضبط مساراته لا المزيد من القرارات

ويفتح هذا الحُكم باب الحديث حول جودة القرار رقم 109 بشأن تنظيم عمل منصات التوصيل، وقُدرته على ضبط سوق عملها، في ظل ما أبداه الحُكم القضائي من ضعف في تكوينه وتقريره للجزاءات، وإلى ما ورد في أسباب القرار وأسانيده الواقعية والفنية، وذلك على النحو التالي: 

- بنى القرار الوزاري رقم 109 أساسه الواقعي على تنظيم عمل منصات شركات التوصيل إلى دراسة أعدَّتها وزارة التجارة في يناير 2023، تضمَّنت دراسة سوق عمل منصات المطاعم، والشكاوى التي تلقتها الوزارة في حينها من عدد من العاملين في قطاع المطاعم. 

وخلصت الدراسة إلى العديد من التوصيات، أهمها: وجوب توفير تسهيلات لقطاع المنصات من العديد من الجهات الرسمية، وإنشاء منظومة لها تُسهم في تطويرها، والعمل على تنظيم قواعد قانونية لعملها، والمطالبة بعدم وجود حدِّ أدنى للنسب. ولم تقل الدراسة أو تقرر فرض نِسب تمثل الحد الأقصى، أو حتى فرض رسوم أو جزاءات، كما لم تطبق على كل قطاعات منصات التوصيل المختلفة الأخرى. فيما يستند القرار الوزاري 109 على تلك الدراسة من دون رابط واقعي لها على القرار، فضلاً عن البُعد الزمني بين صدور تلك الدراسة (يناير 2023)، وبين صدور القرار الوزاري رقم 109 (يوليو 2026)، بما يزيد على 3 سنوات ونصف السنة تقريباً، بما يجعله تقريراً غير مرتبط بالقرار الوزاري الصادر. 

استناد القرار إلى دراسة قبل 3 سنوات ونصف... وشكوى من اتحاد المطاعم قبل صدوره بـ 10 أيام يطرح تساؤلات حول مبرراته

- أرجع القرار الوزاري رقم 109 أسباب صدوره إلى الشكاوى والكُتب الصادرة من اتحاد المطاعم، وبالرجوع إلى بعض الوثائق المرتبطة بالقرار، وأهمها ما تلقته الوزارة من اتحاد المطاعم في 30 يونيو 2026، فيما صدر القرار الوزاري في 8 يوليو 2026، وهو الأمر الذي يُثير تساؤلاً عمَّا إذا كانت فترة العشرة أيام كافية للتحقق من كتاب اتحاد المطاعم وأسبابه، وهل تمثل تبريراً لصدور قرار على جميع المنصات مهما كان عملها؟ 

- القرار الوزاري أشار إلى أن دوافعه هي حماية المستهلك، فيما أشار بموضعٍ آخر إلى تضرُّر قطاع المطاعم بالرسوم والنِّسب التي تقررها المنصات، وهو الأمر الذي يُثير غاية الحماية لدى مصدر القرار. كما يثير تساؤلاً آخر عمَّا إذا جاء القرار لرفع الضرر عن المطاعم، فلماذا يصدر التنظيم على كل المنصات مهما كان عملها؟ وإذا كان التنظيم على قطاع المطاعم، وفق ما ورد بالمذكرة الإيضاحية للقرار رقم 109، فإن القرار يفقد الغاية التي صدر التنظيم من أجلها. 

- أرجع القرار الوزاري سنده إلى ثلاثة قوانين، هي: التجارة الإلكترونية الصادر في فبراير 2026، والإشراف على السلع والخدمات الصادر عام 1979، والقانون رقم 191 الصادر عام 2015، بشأن تحديد بعض السلع. 

وبعد الرجوع إلى تلك القوانين، نجد أن القانون الأول لم يدخل حيِّز التنفيذ ليكون سنداً لإصدار القرار، كما أن لائحته التنفيذية لم تصدر حتى الآن، وهو ما أشار إليه الحُكم القضائي، فضلاً عن أن قانون السلع والخدمات، الصادر عام 1979، لا يصلح لأن يكون سنداً للقرار، لأن ما تُقدِّمه منصات التوصيل لا يدخل في إطار الخدمات المادية، بل يدخل في إطار الربط بين المستهلك والمطاعم ومحلات البيع فقط مقابل تقاضي نِسب من مراكز البيع لقاء توفير خدمات النقل والتوصيل، وبأسرع وقت ممكن مقابل رسم رمزي وثابت. 

إن إضعاف شبكة التوصيل وقيدها، في ظل تداعي العرض والطلب، سيُربك هذا القطاع، لاسيما في ظل غياب دراسات وأرقام واقعية تُظهر حقيقة هذا السوق قبل إصدار القرارات المنظمة له.

وإذا كان مصدر القرار مستنداً إلى القانون رقم 191 الصادر عام 2015، بشأن تحديد السلع لتقرير حماية المستهلك، وتحديده مبلغاً مقطوعاً يتحمَّله، فإنه تعدَّى مصدر القرار منطق التشريع، ليُدخل أصحاب المطاعم كذلك في خانة الحماية كمستهلكين، ويُقرر نسباً يتعيَّن عدم تجاوزها من قِبل أصحاب المنصات. 

- القرار الوزاري خالف أحكام القانون المدني، عندما تدخَّل- على نحو رجعي- بالمساس بالمراكز القانونية للعقود المُبرمة بين المنصات والمطاعم أو كل القطاعات، بأن تدخَّل في تغيير عددٍ من أحكامها المقررة للمقابل الذي تتقاضاه شركات التوصيل، بما يُمثل تعدياً على حُرية التعاقد بين الكيانات التجارية، وبما يجعل تلك العقود محلاً للقيد الرسمي، بالمخالفة لقواعد التجارة الحُرة، التي تكفل لأطراف العقد تقرير قيمة الأرباح والعوائد التي يتفقون عليها مقابل قيمة الخدمات، لاسيما أن هذا التدخُّل الرسمي صادر بقرارات، لا بقوانين، فضلاً عمَّا يمثله هذا التدخُّل الرسمي عبر قرارات تُخالف قاعدة تدرُّج التشريع، إذ سمحت لأداة تشريعية أقل، وهي القرارات أو اللوائح الإدارية، أن تتجاوز أحكام القانون المنظمة لحُرية التقاعد، وهي أداة تشريعية أعلى من أداة التنظيم رغم عدم سلامتها. 

- إن تنظيم المنصات الإلكترونية الخاصة بالتوصيل يتطلَّب مراجعة من أهل الاختصاص، سواء على صعيد المجال الخاص بقطاع المنصات أو التشريع، فضلاً عمَّا يسبقها من دراسات عملية وواقعية حقيقية تعكس عمل تلك المنصات ودورها على قطاع التوصيل. 

وإذا وُجدت العديد من الملاحظات التي أظهرها واقع التعامل من قِبل بعض شركات التوصيل، بما ينطوي على مظاهر احتكارية أو ضارَّة بالسوق، فإن سبيل مواجهتها يكون بأحكام قانون حماية المنافسة، بما يُعيد للسوق انضباطه ومساره، لا بإصدار قرارات تزيد من معاناته وتُعقِّد ظروفه.

* أركان للمحاماة والاستشارات القانونية

back to top