السادس من أكتوبر 1973 كنت أعبر البحر... وكان الجيش المصري يعبر القناة

نشر في 05-10-2026
آخر تحديث 04-10-2026 | 18:59
 محمد الجارالله

كلما جاء السادس من أكتوبر، لا أستعيده من كُتب التاريخ، ولا من نشرات الأخبار القديمة. أستعيده شاباً كويتياً في السنة الثانية طب القاهرة على ظهر سفينة روسية عملاقة في عرض البحر المتوسط. لا أدري أنني أقترب من مصر في واحدٍ من أعظم أيام تاريخها الحديث.

وأنا أكتب هذه الكلمات بعد أكثر من نصف قرن، أشعر بالقشعريرة نفسها، وتكاد العبرة تسبق الكلمات. فبعض اللحظات لا تمرُّ مع الزمن، تبقى كامنة في الذاكرة، وما إن تستدعيها حتى تعود بصورتها وصوتها ومشاعرها.

من بيروت إلى الإسكندرية

كُنا خمسة طلبة كويتيين، قرَّرنا نقل سياراتنا من الكويت إلى القاهرة. أرسلناها على شاحنات إلى بيروت، وسافرنا لتسلُّمها، تمهيداً لشحنها بحراً إلى الإسكندرية.

ولبنان لم يكن غريباً علينا، نعرف طُرقه وجبله وضيعاته. قضينا الرابع والخامس من أكتوبر نتنقل بسياراتنا بين بحمدون وحمّانا وفالوغا وبرمانا، وشارع الحمرا والرملة البيضاء والروشة. شباب، وسيارات جديدة، وبيروت، وما أدراك ما بيروت! ولا أحد يتصوَّر ما كان يُعد على أرض مصر.

في الخامسة من مساء الخامس من أكتوبر، قُدنا سياراتنا إلى سفينة روسية عملاقة اسمها «أجاريا»، وكان موعد وصولنا المُحدَّد إلى الإسكندرية الخامسة من مساء اليوم التالي، السادس من أكتوبر.

بدأنا الرحلة بالمرح والضحك، لكن عند التاسعة ليلاً تغيَّر كل شيء. أخذت السفينة تسير بسرعة غير مألوفة وسط أمواج عاتية، كأنها طراد يشق عباب البحر. اشتدت حركتها، وأصابنا دوار البحر والغثيان والقيء. تفرَّقنا في أنحاء السفينة، وانتهى بي الأمر نائماً داخل كيس النوم على دكتها.

صباح لا يشبه غيره

في التاسعة صباح السادس من أكتوبر فتحت عيني على مشهدٍ غريب. كان أفراد الطاقم الروسي مضطربين، مصطفين بالاستعداد العسكري، وقوارب الطوارئ يجري تجهيزها. حاولنا الاستفسار، لكن حاجز اللغة حال دون فهم ما يجري.

وعند الحادية عشرة ظهرت اليابسة أمامنا. كانت الإسكندرية! يا للعجب، لقد وصلنا قبل موعدنا بـ 6 ساعات، لكن السفينة بقيت خارج الميناء حتى العصر.

دخلنا مع اقتراب المغرب، فوجدنا الميناء غارقاً في ظلام مطبق. صعد المفتشون المصريون يحملون المصابيح اليدوية. سألناهم باستغراب: ما الحكاية يا جماعة؟

فجاء الجواب الذي ما زال يرن في أذني: «الحرب قامت».

في لحظة تبدَّد تعب الليل، واجتاحتنا فرحة يصعب وصفها. علمنا أن الجيش المصري عبرَ قناة السويس، وأن الهجوم بدأ في الثانية ظهراً. وفهمنا لاحقاً أن مصر أخطرت روسيا، والسفينة أسرعت تجنباً للبقاء قبالة السواحل الإسرائيلية أثناء الحرب.

أنزلنا سياراتنا وانطلقنا في ظلام الطريق إلى القاهرة. كانت البلاد تعيش الإظلام الحربي الدامس، لكن شيئاً آخر كان يُضيء الوجوه. كان شعوراً بالعزة والكرامة، بعد 6 سنوات من جرح يونيو 1967.

«بارليف»... الجبل الذي عبره الرجال

بعد عدة أشهر، نظمنا مع اتحاد الطلبة رحلة إلى قناة السويس، وهناك رأيت خط بارليف بعيني. لم يكن مجرَّد اسم في الأخبار، كان ساتراً ترابياً هائلاً، أشبه بجبل، تحميه الدشم والتحصينات والأسلاك الشائكة ومواقع النيران على الضفة الغربية لقناة السويس.

وقفت مذهولاً أتخيل الجندي المصري وهو يعبر القناة ويقتحم تلك المواقع. وأتأمل عبقرية العقل العسكري المصري، الذي استخدم نحو 350 مضخة مياه عالية الضغط، تقذف الماء بقوة هائلة لفتح نحو 60 ثغرة في ذلك الجبل الترابي خلال ساعات، مما أتاح إقامة الجسور وعبور الدبابات، في مفاجأة للجيش الإسرائيلي يوم عيد الغفران.

هناك أدركت معنى العبور، وكيف استطاع الجيش المصري، بالإعداد والتخطيط والعزيمة، أن يتجاوز تحصينات ظن العالم أنها عصية على الاختراق.

تضحيات لا ينساها التاريخ

كثير من شباب اليوم لا يُدركون حجم ذلك الإنجاز، ولا يعرفون كم من الدماء والدموع والانتظار سبقته. كانت وراء كل جندي أُسرة، ووراء كل شهيد أم تنتظر عودته، وأب يكتم حزنه، وأطفال سيكبرون على صورته.

ولم تكن معركة مصر وحدها، فقد امتدت المشاركة العربية إلى جبهات القتال والدعم الاقتصادي والسياسي. ويستحضر التاريخ موقف الملك فيصل بن عبدالعزيز في استخدام سلاح النفط، رداً على الجسر الجوي الأميركي العسكري لإسرائيل، (ذات الجسر الأميركي الذي شاهدناه في حرب غزة). كما كان للكويت الدور الرئيسي، أسهم فيه وزير ماليتها ونفطها عبدالرحمن العتيقي، بجولاته المكوكية في حشد الموقف النفطي العربي.

القوة التي لا تُقهر

لقد أثبت أكتوبر أن التفوق العسكري ليس قدراً أبدياً. ثم جاء طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، في سياق قهر وغضب فلسطيني تراكم عبر عقود من الاحتلال والمعاناة، ليكشف عن إخفاقات عميقة في المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

لقد اختلف المشهد الإسرائيلي بعد طوفان الأقصى عما كان قبله، وأعادت الأحداث طرح أسئلة جوهرية عن حدود القوة العسكرية الإسرائيلية وأوهام إسرائيل الكبرى.

ذاكرة لا تشيخ

تأجلت الدراسة، فوجدنا أنفسنا في إجازة نجوب القاهرة، وأهلنا في الكويت يتابعون أخبارنا بقلقٍ شديد، حتى تيسَّرت عودتنا في أواخر أكتوبر.

واليوم، كلما استعدت تلك الأيام، أرى السفينة الروسية، وظلام الإسكندرية، والمفتش المصري و«الحرب قامت». ثم تعود صورة خط بارليف، فتأتيني القشعريرة وتُغالبني العبرة.

تحية محبة ووفاء لمصر وشعبها، ولجنودها الذين عبروا القناة، ولأرواح مَنْ ضحَّوا بحياتهم من أجل وطنهم. 

مصر التي عبَّر حافظ إبراهيم عن مكانتها في وجداننا العربي، وصدحت أم كلثوم بقوله على لسانها:

أنا إن قدّر الإله مماتي

لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي

وبعد أكثر من نصف قرن، ما زلت أستعيد تلك الرحلة بكل تفاصيلها، وأشعر بالفخر، لأن القدر شاء أن أكون شاهداً على يومٍ من أعظم أيام مصر.

لقد وصلت إلى مصر في يوم العبور العظيم... ورأيت بعد ذلك، بعيني، الجبل الذي عبره الرجال.

وزير الصحة الأسبق

back to top