رجال ملأوا مواقعهم
تأمَّلت كثيراً في القيادة والقياديين في هذا البلد، وما حققوه منذ نشأة الدولة من سبقٍ في ميادين النهوض والتطوُّر والتقدُّم، وما مرَّ بالكويت من أزمات ونكبات ومِحَن، فوجدت أن وراء تجاوز كثير منها رجالاً حملوا المسؤولية في أوقاتها الصعبة، وأدوا الأمانة بما استطاعوا. وقد تردَّدت في الحديث عن شخصيةٍ بعينها، خشية أن أذكر رجلاً وأنسى آخر، فمن الظلم أن تختزل مسيرة رجال الدولة وقياداتها في شخصٍ واحد، ولكل مرحلة رجالها ومواقفها.
وبعد الاستقراء والمطالعة في سير عددٍ من الوزراء والقياديين الناجحين، وجدت أنهم- على اختلاف مراحلهم ومواقعهم- يشتركون في سِمات تكاد تتكرَّر بينهم، ولعل أولها وأهمها التدرُّج، فتجده مخضرماً ملأ مكانه، فكثير منهم لم يبدأ من قمة الهرم، بل عرف العمل الحكومي من داخله، فعمل في الهيئات والمؤسسات والوزارات، وتدرَّج في مسؤولياتها، وشارك في لجانها وبعثاتها ومهامها، وانتقل من مرحلةٍ إلى أخرى، بعد أن عرف ما قبلها، وتمكَّن منها. والتدرج ليس مجرَّد سنوات تمضي في الوظيفة، بل هو تراكم للخبرة والمعرفة والتجربة، فالقيادي الذي عرف المراحل المختلفة للعمل يستطيع أن يفهم موظفيه، ويُقدِّر الصعوبات التي تواجههم، ويميز بين الممكن والمتعذر، وبين القرار الذي يبدو جميلاً على الورق، والقرار القابل للتطبيق في الواقع.
ومن الصفات التي تجمع الناجحين منهم؛ الصدق، والأمانة مقرونة بالأدب، والحصافة، والرزانة، والعقل، فلا مداهنة على حساب المصلحة العامة، ولا مسايرة فيما يرونه خطأ، بل هو قول للحق، وتحمُّل لتبعاته، وصبر عليه. ومن صفاتهم كذلك؛ السمع، والطاعة، والصبر، والتحمُّل، والاستماع للصغير قبل الكبير. والأجمل أن كثيراً منهم أحاط نفسه بالشباب، وفتح لهم المجال، واستمع إلى آرائهم، ودفعهم إلى الصفوف الأمامية، ومنحهم الفرصة، وشجعهم على البذل والعطاء، لأن القيادي الحقيقي لا يخشى من تقدم من بعده، بل يرى في نجاحهم امتداداً لنجاح المؤسسة والوطن.
وكذلك ثمة أمر مهم جداً، وهو إلمام القيادي بتاريخ الجهة التي يتولَّى مسؤوليتها، ومعرفته بمراحل تطورها، وما تعاقب عليها من تجارب وقرارات، فمعرفة الماضي تُعينه على فهم الحاضر، وتبصره بما ينبغي البناء عليه، وما يستحق المراجعة والتطوير.
إن خدمة البلد ليست منصباً، ولا وجاهة، بل أمانة ومسؤولية، وهذا البلد لا نُوفيه حقه مهما قدَّمنا له.