لماذا قد تكون إيران آخر حروب أميركا في الشرق الأوسط؟
لقد أدركت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع خوض حربٍ قصيرة نسبياً ضد قوة إقليمية من دون استنزاف مخزوناتها من الذخائر الحيوية. ومع تقلُّص القاعدة الصناعية العسكرية، فإن التكنولوجيا المعقدة التي تقوم عليها أفضل أسلحتنا تجعل عملية تعويض ما نستهلكه بطيئة على نحو خطير.
وإذا واجهنا يوماً حرباً أكبر مع قوة ندّ، فعلينا معالجة هذا الوضع. ينبغي أن نُعيد بناء قدرتنا على إنتاج الأسلحة، وأن نُعيد التفكير في التوازن بين أعداد صغيرة من الأسلحة الباهظة والمتقدمة تكنولوجياً، وأعداد أكبر من الأسلحة الأبسط والأرخص. فميزتنا النوعية لا تعني الكثير إذا نفدت مخزوناتنا من أكثر أسلحتنا تطوراً.
لقد تعلَّمنا أيضاً أن حجم قواتنا لا يتناسب مع التزاماتنا العالمية. فمن أجل تنفيذ العمليات ضد إيران، اضطررنا إلى سحب جزء كبير من أصولنا البحرية الحيوية من شرق آسيا. ولو اختارت الصين في تلك اللحظة تصعيد تهديدها ضد تايوان، لكان من الصعب علينا الرد بفاعلية.
إن وتيرة الإنتاج البحري في الصين تفوق إنتاجنا بفارقٍ هائل، والزخم الذي تتمتع به سيجعل اللحاق بها صعباً في المستقبل المنظور. فالصين تستحوذ الآن على «53 في المئة من القدرة العالمية لبناء السفن»، كما تُتيح عقيدتها القائمة على الدمج بين القطاعين المدني والعسكري لقواتها البحرية الاستفادة من البنية التحتية للإنتاج المدني.
أما الولايات المتحدة، التي تراجعت قدرتها على بناء السفن، فلا تستطيع القيام بهذه المهمة بمفردها. نحن بحاجة إلى جهدٍ شامل، يشمل الاستفادة من القدرات الإنتاجية في كوريا الجنوبية، التي تمتلك «29 في المئة من القدرة العالمية»، واليابان التي تمتلك «13 في المئة». وهذا يتطلَّب سياسة طويلة الأمد ومستقرة لا تتغيَّر مع كل نسمة عابرة، كما يتطلَّب التعامل مع حلفائنا باعتبارهم «مضاعِفات للقوة، لا طفيليات تمتص مواردنا».
لقد تعلَّمنا من جديد ما كان ينبغي ألا ننساه قَط: «حدود القوة الجوية».
نعم، دمَّرت غاراتنا الجوية جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية الإيرانية، إضافة إلى بعض البنية التحتية المدنية، لكننا لم نكن مستعدين قَط لإرسال قوات برية، وكان الإيرانيون يعرفون ذلك. ومن خلال استراتيجية دفن القدرات الإنتاجية وقطع الغيار في أعماق الأرض، تمكَّنت طهران من الحفاظ على قُدرتها على إنتاج الصواريخ التي تحتاج إليها لتهديد جيرانها العرب وحركة الملاحة في الخليج العربي.
ومع أن قواعدنا في الشرق الأوسط ضرورية لإسقاط قوتنا بالمنطقة، فقد تعلَّمنا أنها عُرضة للهجمات. وابتداءً من 28 فبراير، ألحقت الصواريخ والطائرات المسيَّرة الإيرانية أضراراً جسيمة بقاعدة أميركية في البحرين، كما طالت هجمات لاحقة قواعد في العراق والأردن والكويت وعُمان وقطر والسعودية.
تكبَّدنا مئات الإصابات، بينهم «18 قتيلاً»، فضلاً عن خسائر في المباني والمُعدات بلغت قُرابة «4 مليارات دولار». وقبل أن تتمكَّن القوات التي سحبناها من العودة- إذا عادت أصلاً- يتعيَّن على الجيش تحسين قُدرته على حمايتها.
كما تعلَّمنا أن الإيرانيين قادرون على مواجهة هجومنا باستراتيجية «التصعيد الأفقي عبر وكلائهم» المنتشرين في أنحاء المنطقة. فقد أدَّى هجوم الحوثيين إلى وضع مضيق باب المندب تحت سيطرتهم، كما أدَّى هجوم بطائرة مسيَّرة شنته ميليشيا مرتبطة بإيران من العراق إلى تعطيل خط أنابيب الشرق- الغرب مؤقتاً، وهو الخط الذي كانت السعودية قد حوَّلت عبره جزءاً كبيراً من صادراتها النفطية بعيداً عن الخليج.
ومع تراجع مخزونات النفط العالمية، يمكن لارتفاع إضافي في أسعار الطاقة أن يهدد الاقتصاد العالمي. وهذا من شأنه أن يجعل الجمود الحالي في إيران غير قابل للاستمرار.
ومع ازدياد كمية النفط السعودي التي تمرُّ عبر مضيق هرمز، يفرض الحصار البحري الأميركي ضغوطاً شديدة على الاقتصاد الإيراني. والولايات المتحدة تحقق تدريجياً اليد العليا في «حرب الاستنزاف الاقتصادية».
لكن ليس واضحاً أن ذلك سيدفع النظام الإيراني إلى الاستسلام. فقد أثبت حُكام إيران مراراً قدرتهم على تحمُّل الانتكاسات، عبر تحميل شعبهم تكاليفها وقمع المعارضة بلا رحمة. ولم يتغيَّر ذلك، ومن غير المرجح أن يتغيَّر ما دام الحرس الثوري الإيراني يُمسك بأوراق القوة وبالأسلحة.
وإذا كان الأمر كذلك، كما جادل ريتشارد هاس وكارولين كيسان، فسيتعيَّن على الولايات المتحدة العودة إلى طاولة المفاوضات وقبول شروط لإنهاء التهديد الذي يواجه حلفاءنا الإقليميين وإمدادات الطاقة العالمية، وهي شروط قد تتركنا في وضع أسوأ مما كُنا عليه قبل أن يبدأ الرئيس ترامب هذا الصراع.
هذه هي «المغامرة الأميركية الثالثة في الشرق الأوسط خلال ربع القرن الماضي، ومن المرجح أن تكون الأخيرة». فهي تشير إلى نهاية مسعانا للهيمنة على المنطقة، وقد تطلق عملية خفض تدريجية للقوات الأميركية.
وإذا حدث ذلك، فستضطر دول الخليج، وغيرها ممن اعتمدوا على حمايتنا، إلى البحث عن ترتيبات أخرى. وقد أكد ترامب هذه الحقيقة عندما رفض طلب السعودية انضمام الجيش الأميركي إلى القتال ضد الحوثيين.
وسيكون على حلفائنا الاختيار بين الخضوع للهيمنة الإقليمية الإيرانية، وبين إنشاء تحالف رسمي مناهض لإيران يمكن أن تنضم إليه إسرائيل في نهاية المطاف.
ومهما يكن المسار الذي ستتخذه الأحداث، فإن الحرب مع إيران ستُغيِّر «الشرق الأوسط إلى الأبد».
*أستاذ فخري للعلوم السياسية في جامعة ميريلاند، وزميل أول في مؤسسة بروكينغز.
*ويليام أ. غالستون