من الفعل إلى العمل إلى الصنع...رسالة إلى طبيب
بعد سنوات من ممارسة الطب، بدأت أرى بعض الكلمات بطريقة مختلفة.
من بينها: الفعل، والعمل، والصنع.
قد تبدو كلمات متقاربة، لكنني أرى فيها شيئاً يشبه رحلة الطبيب نفسها.
في بدايتي، كان همّي أن أفعل: أن أفحص المريض، أطلب الفحوصات، أضع التشخيص، أصف العلاج، وأجري الإجراء المطلوب. وهذا هو الفعل؛ ما يصدر عن الإنسان من قول أو عمل أو قرار. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾.
ثم مع الوقت، فهمت أن الطب ليس مجرد أفعال متتالية، بل هو عمل يحتاج إلى علم، وجهد، وصبر، ومثابرة. قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾.
فالطبيب يعمل عندما يتعلم، ويبحث، ويفحص، ويتابع، ويقف إلى جانب مريضه، حتى عندما لا تكون النتيجة مضمونة. وفي الطب، قد تبذل كل ما تستطيع، ومع ذلك لا تسير الأمور كما تمنيت. لكن مع السنوات، بدأت أكتشف مرحلة أخرى: الصنع.
أن تتحول المعرفة والخبرة إلى إتقان. ألا يكون السؤال فقط: ماذا فعلت؟
ولا حتى: ماذا أنجزت؟ بل: كيف صنعت ما فعلت؟ وما الأثر الذي تركته؟
وهنا أرى الفرق بين الطبيب الذي يمارس مهنة، والطبيب الذي يصنع فرقاً.
الصنع ليس مهارة اليد وحدها. إنه حسن القرار، ومعرفة متى تتدخل ومتى تتريث، ومعرفة حدود علمك، وحسن التعامل مع المريض، والعمل مع الفريق، والتعلم من كل حالة، حتى الصعبة منها.
أن تصنع طبيباً أفضل من نفسك في المستقبل، وأن تصنع بيئة يتعلم فيها الآخرون، وأن تحول تجربة مررت بها إلى معرفة يستفيد منها من يأتي بعدك؛ كل ذلك من الصنع أيضاً. قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
ولهذا، إذا كان لي أن أقول شيئاً للطبيب الذي بدأ طريقه اليوم، فسأقول له:
لا تستعجل أن تكون طبيباً كبيراً. استعجل أن تكون طبيباً يتقن ما يفعل، ويتعلم مما يعمل، ويترك أثراً فيما يصنع.
ففي نهاية الطريق، قد تنسى كثيراً من الإجراءات التي أجريتها، والأرقام التي حققتها، والأيام الطويلة التي قضيتها في المستشفى. لكن المريض قد يتذكر أنك طمأنته عندما كان خائفاً. وأنك استمعت إليه. وأنك لم تتعامل معه كحالة، بل كإنسان.
وقد ينسى الناس عدد العمليات التي أجريتها، لكنهم لن ينسوا بالضرورة كيف جعلتهم يشعرون عندما كانوا في أضعف لحظاتهم.
قد يمر الطبيب على آلاف المرضى، لكن الطبيب الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد من عالجهم، بل بما تركه فيهم، وبما تركه بعده. فالفعل ينتهي بانتهائه، والعمل يُرى في ثماره، أما الصنع الحقيقي، فيبقى أثره حتى بعد أن يغيب صاحبه. وربما تكون هذه هي الرحلة التي لا نكتشف معناها إلا بعد سنوات:
أن تبدأ طبيباً يفعل، ثم تصبح طبيباً يعمل، ثم تنضج لتصبح طبيباً يصنع.
* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة، معهد الكويت للتخصصات الطبية، باحث، قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.