حين يتغيّر الريش

نشر في 30-09-2026
آخر تحديث 29-09-2026 | 18:32
 بدور المطيري

في الفترة الأخيرة، لا أعرف لماذا بدأت أنجذب إلى عالم الحيوان، أتابع الوثائقيات، وأقرأ عن سلوك بعض الكائنات، وزاد فضولي بعد محاضرات حضرتها عند بروفيسور في علم الحيوان، وكلما عرفت تفاصيل جديدة عن سلوكياتهم وجدتني أقول «سبحان الله».

 عالم كامل يعيش بجوارنا، له طرقه في التواصل والحماية والبقاء ومع كل قصة جديدة، كانت تعود إلى ذهني الآية الكريمة ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، وأظنني بدأت أتأمل معناها بطريقة مختلفة، ومن بين القصص التي توقفت عندها هي عند طائر «أبوقرن».

في موسم التكاثر، تدخل أنثى بعض أنواعه إلى تجويف في شجرة، وتغلق المدخل بمواد يجلب الذكر بعضها، حتى لا يبقى سوى شق ضيق يصل إليها منه الطعام، وخلال بقائها في العش تبدّل أنثى بعض هذه الأنواع معظم ريش جناحيها وذيلها، فتعجز عن الطيران أسابيع طويلة، ثم ينمو لها ريش جديد وتعود بعدها قادرة على الطيران بطاقة متجددة وبمسافات أطول وسنين أكثر.

قرأت القصة أكثر من مرة بشكل علمي ومرة بشكل أدبي وفلسفي، لم يشغلني كيف بقيت داخل الشجرة بقدر ما شغلتني صورة خروجها منها، خرجت هي نفسها، لكن ليس بالريش الذي دخلت به.

وأنا أتأمل فيما حدث من تطور لها، فكرت بعدها في مجتمعاتنا، في عادات تربّينا عليها، وطرق نعيش ونعمل ونتعامل بها مع بعضنا، صحيح أن بعضها يمنحنا إحساساً بالانتماء، وبعضها حفظ للناس حقوقهم وقرّب بينهم، ويستحق أن يبقى، لكن هناك أشياء أخرى نستمر فيها لأننا اعتدناها فقط، حتى بعدما يتغير السبب الذي جعلنا نتمسك بها أول مرة.

يظهر ذلك أحياناً في نظرتنا إلى الشباب، نطلب منهم أن يسلكوا الطريق الذي عرفناه منذ أجدادنا، ثم نستغرب حين يقولون إن نهايته لم تعد كما كانت، وقد نحكم على اختياراتهم بسرعة، قبل أن نرى العالم الذي يحاولون أن يجدوا مكاناً لهم فيه. حقيقة، هنا لا تكون المشكلة في حرص المجتمع على أبنائه، بل في أن يتحول هذا الحرص إلى إصرار على إجابات لم تعد تناسب أسئلتهم.

والأمر لا يقف عند الناس أو الفرد فقط، حين تتمسك دولة بطريقة في التعليم أو العمل لأنها نجحت سنوات طويلة، قد تمضي بها إلى أن يتخرج جيل اكتشف متأخراً أن ما تعلّمه لا يكفيه، وما يبدأ في فصل دراسي أو مؤسسة تظهر آثاره لاحقاً في اقتصاد البلد وفرص أبنائه.

حتى الأمم التي بنت مكانتها يوماً لا تستطيع أن تعتمد على ما حققته وحده، بل عليها أن تعرف ما الذي منحها قوتها فعلاً، وما الذي ظلّت تحمله فقط لأنه مألوف لها واعتادته، فالتاريخ يمنحها ما تبدأ منه، أما ما ستفعله به اليوم فهو مسؤوليتها.

لهذا بقي طائر أبوقرن في ذهني، لم يخرج من الشجرة طائر آخر، تغيّر ريشه، وبقي هو نفسه. وربما تستطيع المجتمعات أن تفعل ذلك أيضاً، أن تحافظ على ما تحبّه في نفسها وما يميزها، من دون أن تخاف مراجعة ما لم يعد يساعد أبناءها على المضي. أحياناً، كي نستمر ونحلق في الطيران، نحتاج إلى التوقف قليلاً، ونراجع ذاتنا لينمو لنا ريش يناسب الرحلة القادمة.

* ينشر بالتزامن مع صحيفة سبق السعودية و«الشرق» القطرية

back to top