«التنظيم الذكي»: بوابة الكويت نحو ريادة الاقتصاد الرقمي

نشر في 29-09-2026
آخر تحديث 28-09-2026 | 18:59
 د. بلال عقل الصنديد

لم تَعُد المنافسة بين الدول على جذب الاستثمار والابتكار تُحسم بالحوافز المالية أو الإعفاءات وحدها. ففي الاقتصاد الرقمي، أصبحت جودة البيئة التشريعية والتنظيمية جزءاً من القدرة التنافسية للدولة، وأصبح القانون عاملاً في جذب الاستثمار والتكنولوجيا والمواهب، وليس مجرَّد أداة لضبط النشاط الاقتصادي.

فالشركات، لا سيما الناشئة والتكنولوجية، لا تبحث اليوم عن سوقٍ واعد فحسب، بل عن قواعد واضحة ومستقرة، وإجراءات قابلة للتوقُّع، وبيئة قانونية قادرة على استيعاب نماذج أعمال تتغيَّر بوتيرةٍ أسرع من التشريع التقليدي. وفي كثير من الأحيان، لا تكمن المشكلة في غياب القواعد، بل في وجود قواعد لم تَعُد تتناسب مع التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، أو في تعدُّد الإجراءات وتداخل الاختصاصات، بما يرفع كلفة ممارسة النشاط ويزيد من عدم اليقين.

وهنا تبرز فكرة «التنافسية التنظيمية»، أي قدرة الدولة على بناء بيئة قانونية وتنظيمية تجعل ممارسة النشاط الاقتصادي أكثر وضوحاً وكفاءة وقابلية للتوقع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حماية المصلحة العامة. فالتنظيم الجيد لا يعني كثرة القواعد، كما أن تبسيط التنظيم لا يعني إضعافه، بل يعني اختيار القاعدة المناسبة في الوقت المناسب، وبالقدر الذي تبرره المخاطر والمصلحة العامة.

وتكتسب هذه المسألة أهميةً خاصة بالكويت في ضوء «رؤية الكويت 2035»، التي تستهدف بناء اقتصاد متنوِّع، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحويل الكويت إلى مركزٍ جاذب للاستثمار. فنجاح هذه الأهداف لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات أو توافر البنية التحتية، وإنما أيضاً بقدرة الإطار التشريعي والتنظيمي على توفير البيئة التي تسمح للأعمال بالبدء والتوسع والابتكار بسرعة وكفاءة.

يفرض الاقتصاد الرقمي الانتقال من التنظيم التقليدي إلى «التنظيم الذكي»، فالتقنيات ونماذج الأعمال تتغيَّر بوتيرة قد تسبق القواعد القانونية، بما يجعل التنظيم الجامد أقل ملاءمة. ولا يعني ذلك تقليل القواعد، بل تطوير طريقة صياغتها وتطبيقها ومراجعتها، بما يحقق التوازن بين الابتكار وحماية المصلحة العامة.

وتقوم هذه المقاربة وفق بعض التجارب الدولية، لاسيما في أدبيات مفوضية الاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) على دورة مستمرة، تشمل: تقييم الأثر ومقارنة البدائل، ثم التطبيق والقياس، وتنسيق الاختصاصات والإجراءات، وتنتهي بالمراجعة الدورية والتعديل استناداً إلى البيانات والنتائج. 

ومن أبرز الأدوات المترابطة التي يمكن استخدامها في هذا المسار المتكامل، ما يُعرف بالتنظيم القائم على المخاطر (Risk-Based Regulation)، الذي يربط مستوى الرقابة بحجم المخاطر الفعلية، وبيئات التجريب التنظيمي (Regulatory Sandboxes)، التي تُتيح اختبار الابتكارات في نطاقٍ محدَّد قبل بناء قواعد دائمة بشأنها، الأمر الذي يُعزِّزه الاستشراف التنظيمي (Regulatory Foresight) لرصد التطورات المستقبلية، والتقييم اللاحق (Ex Post Evaluation) لقياس نتائج القواعد القائمة، إلى جانب المراجعة الدورية والتكيفية (Periodic and Adaptive Review) لتعديلها عند تغيُّر الظروف، والتنظيم القائم على البيانات والأدلة (Data- and Evidence-Based Regulation)، بما يُعزِّز قدرة الجهات التنظيمية على اتخاذ قرارات أكثر دقًة ومرونةً واستجابة للتحوُّلات الاقتصادية والتكنولوجية.

وبذلك، يمكن أن تتحوَّل البيئة القانونية من عنصر تكلفة وعدم يقين إلى أحد مقومات التنافس الاقتصادي وجذب الاستثمار والابتكار، بما يدعم أهداف التنمية، ويُواكب الابتكار، ويُشجع الاستثمار.

* كاتب ومستشار قانوني

back to top