سامي محمد... كفى رثاءً حرّروا إرثه

نشر في 29-09-2026
آخر تحديث 28-09-2026 | 18:57
 ضاري المير

حين يرحل فنان بحجم سامي محمد، لا يكفي أن نملأ الصحف بكلمات الحزن، ثم نترك أعماله تواجه الغياب. الرثاء سهل، والوفاء امتحان أصعب، يبدأ حين تنتهي مراسم العزاء وتنطفئ الأضواء. والسؤال الذي ينبغي أن نضعه أمام الجهات المعنية اليوم: ماذا ستفعلون لحماية إرثه؟ وأين القرار الذي يترجم تقديركم إلى عمل؟ ترك سامي محمد الصالح للكويت أعمالاً تحمل اسمه وملامح تجربته، وأنشأ «دار مريم» على نفقته الخاصة لحفظ إنتاجه الفني. فعل ما استطاع في حياته، فهل يُعقل أن تبقى مسؤولية حماية هذا الإرث معلّقة على جهود أسرته وحدها؟ وإلى متى ننتظر من المبدع أن ينتج، ويموّل، ويوثّق، ويضمن لأعماله البقاء بعد رحيله؟ على الدولة أن تتبنّى «دار مريم»، وأن تمنح هذا الملف ما يستحقه من جدية واهتمام. نريد قراراً واضحاً، وتمويلاً مستداماً، وخطة للحفظ والصيانة والتوثيق، بالتنسيق مع الأسرة واحترام حقوقها. أما عبارات الإشادة التي لا يتبعها إجراء، فلا تحمي منحوتة، ولا تفتح متحفاً، ولا تصنع ذاكرة للأجيال. والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب معنيّ بهذه المسؤولية. المطلوب أن يبادر، وأن يعلن ماذا يمكنه تقديمه، ومتى يبدأ التنفيذ. لا نحتاج إلى مناسبة جديدة نستعيد فيها الاسم نفسه، ونكرّر الكلام نفسه، ثم نؤجّل السؤال نفسه. نحتاج إلى أبواب تُفتح، وأعمال تُصان، وبرنامج ثقافي يمنح هذه التجربة حضورها المستحق. ومن حق الناس أن تعرف الجهة التي ستتولّى المتابعة، والمدة اللازمة، وما أُنجز فعلاً. فالمسؤولية لا تكتمل بإبداء الاستعداد، بل بخطوات قابلة للمحاسبة، تُخرج المشروع من دائرة الوعود إلى واقع يراه الجميع، وتمنح هذا النداء جواباً عملياً. لتكن «دار مريم» مكاناً يقصده الطلبة والفنانون والباحثون، ومساحة يتعرّف فيها أبناء الكويت إلى فنان عبّر بأعماله عن الإنسان ومعاناته. إن ترك الذاكرة للمصادفة تقصير في حق المجتمع؛ فما يضيع منها لا تعيده خطبة، وما يتلف من الأعمال لا تصلحه عبارات الأسف. وفي الختام، أتوجّه إلى أسرة الراحل عبدالعزيز المساعيد الكريمة برجاء واضح وصريح: حرّروا صرحي الشيخ عبدالله السالم والشيخ صباح السالم من خلف أسوار دار «الرأي العام». كفى بقاءً بعيداً عن الناس. هذان العملان يستحقان موقعين يليقان بقيمتهما، ورعاية تحفظهما، وحضوراً يتيح للجمهور مشاهدتهما والتعرّف إلى مبدعهما. ليس مقبولاً أن نتغنّى بتاريخ الكويت، ثم نرضى بأن تبقى أعمال تجسّد رموزها محجوبة عن جمهورها. وليس معقولاً أن نحسن كتابة المراثي، ونعجز عن إنجاز مبادرة تحفظ عملاً فنياً وتضعه في مكانه المناسب. إن قيمة الصرح تتحقّق أيضًا بلقاء الناس به، وبالأسئلة والمعرفة التي يثيرها في نفوسهم. أسهموا في نقل صرح الشيخ عبدالله السالم إلى مركز يليق بمكانته، وصرح الشيخ صباح السالم إلى موقع يليق بذكراه، بالتنسيق مع الجهات المختصة، وتحت إشراف فني يضمن سلامة النقل والحفظ. ابدأوا بخطوة معلنة، وحدّدوا احتياجات التنفيذ، وافتحوا باب التعاون. فالمبادرة الجادّة تعرف طريقها حين تتوافر الإرادة. هذا تكريم لسامي محمد، وتكريم لوالدكم الراحل عبدالعزيز المساعيد، ووفاء للكويت التي جمعت أسماءهم في ذاكرتها. وأرجو ألّا يبقى هذا النداء كلاماً يُقرأ ثم يُطوى. ليس في الوقت متّسع لمزيد من التأجيل، ولا يجوز أن يصبح الانتظار مصيراً دائماً لهذه الأعمال. رحم الله سامي محمد، ورحم الله عبدالعزيز المساعيد. أما نحن الأحياء، فعلينا واجب لا تؤدّيه الدموع وحدها: أن نحفظ، وأن نبادر، وأن نتحمّل المسؤولية. تبنّوا «دار مريم»، وحرّروا الصرحين من خلف الأسوار. لا تجعلوا الرثاء آخر علاقتنا بالفنان، ولا تتركوا النسيان يكتب الفصل الأخير من حكايته.

back to top