ترويدة: نظام التفاهة

نشر في 28-09-2026
آخر تحديث 27-09-2026 | 17:53
 هديل رشاد

هل هناك ما هو أكثر خطورةً من أن تنتشر التفاهة؟ نعم، أن تتحوَّل إلى نظام، وأن يُصبح لها منصات ومهرجانات وجوائز، وأن يُقدَّم أصحابها إلى الناس باعتبارهم نماذج للنجاح والتأثير، لمجرَّد أنهم نجحوا في جذب الانتباه.

هذا بالضبط ما يجعل فكرة «نظام التفاهة»، التي طرحها الفيلسوف الكندي آلان دونو، جديرة بالتأمل، فدونو لا يتحدَّث عن أشخاصٍ تافهين فحسب، بل عن منظومة تُعيد تعريف القيمة، فتمنح الظهور وزناً أكبر من الفكرة، والشهرة أهمية أكبر من الأثر، والانتشار قيمة أعلى من المعنى، وفي أحد أحاديثه يقول: «هذا النظام يدفع الإنسان إلى أن يكون وظيفياً وخاضعاً».

ولعلنا نرى شيئاً من ذلك في عالم «المؤثرين»، الذي تمدَّد حتى دخل المهرجانات وقوائم التكريم. شخص لا نعرف ماذا قدَّم سوى أنه جمع ملايين المتابعين، وآخر صنعت شهرته لقطة مفتعلة، وثالث تحوَّلت تفاصيل حياته ومقتنياته وسفره إلى مادة يومية للاستهلاك البصري. 

لا مشكلة في أن يكون هؤلاء مشهورين، لكن المشكلة تبدأ حين يصبحون في مركز المشهد، وحين يُصبح عدد متابعيهم معياراً للمكانة والتأثير، وكأن عدَّاد الـ «Followers» هو الذي يمنح صاحبه تلقائياً حق أن يكون قدوة.

والأخطر أن الأجيال الناشئة قد تخلط بين الشهرة والإنجاز، فتظن أن الوصول إلى الأضواء غاية بحد ذاته، لا نتيجة طبيعية لعملٍ حقيقي أو قيمة مضافة.

في الجهة الأخرى، هناك شباب يحملون قضايا أوطانهم وهموم جيلهم، ويحاولون مقاومة تسطيح الوعي وتطبيع القبح والانحدار الأخلاقي، قد لا يعرفهم أحد، لأنهم لم يُتقنوا لعبة الاستعراض، لكن أثرهم قد يكون أعمق من ملايين المشاهدات وهم مَنْ يستحقون صدارة المشهد.

ختاماً...

المشكلة إذن ليست في وجود التفاهة، بل في تقديسها، وفي منحها مكانة لا تستحقها. آن الأوان أن نسأل أنفسنا: ماذا أضاف هذا الشخص؟ وما الذي سيتبقى منه بعد أن ينتهي الضجيج؟ فالقيمة، باعتقادي، ليست في احتلال المشهد، بل فيما نتركه خلفنا من وعي ومعنى وتغيير إيجابي يُسهم في رفعة أوطاننا، وتأسيس جيلٍ قادر على القيادة، لا على تبعية القطيع.

*صحافية وكاتبة فلسطينية

back to top