فيتو الصناديق وصراع الصلاحيات

نشر في 28-09-2026
آخر تحديث 27-09-2026 | 18:24
 د. أحمد فاتح محمد

لم يَعُد الخلاف المزمن بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان مجرَّد أزمةٍ عابرة ترتبط بآلية توزيع رواتب موظفي الإقليم أو نِسَب استقطاع حصة أربيل من الموازنة الاتحادية العامة، بل تحوَّل تدريجياً إلى صراعٍ مؤسسي عميق يمسُّ جوهر فلسفة الحُكم وإدارة الثروة المستقبلية في العراق. 

إن هذا التجاذب المُستجد يتركَّز اليوم حول مرجعية القرار الاقتصادي، والجهة التي تمتلك الحق القانوني والدستوري في تأسيس وإدارة الصناديق السيادية والأصول الاستثمارية طويلة الأجل، وهي المساحة التي بقيت رمادية ومؤجلة في أدبيات السياسة العراقية منذ خط كتابة دستور عام 2005. 

من الناحية السياسية، يعكس هذا الصراع رغبةً جامحة لدى القوى النافذة في بغداد لإعادة إنتاج مفهوم المركزية الاقتصادية كأداة لفرض الاستقرار السياسي وضمان وحدة القرار الجيوسياسي للدولة العراقية، خصوصاً في ظل التحوُّلات الإقليمية التي تفرض على العراق تقديم ضمانات سيادية موحَّدة للشركاء الدوليين والخليجيين. 

وفي المقابل تنظر أربيل إلى هذه التحرُّكات المركزية بوصفها محاولة مقنعة لقضم الصلاحيات الفدرالية الممنوحة للإقليم، وتقويض استقلاليته الاقتصادية التي يراها حجر الزاوية لكيانه السياسي والدستوري.

أما من المنظورين القانوني والدستوري، فإن الأزمة تتغذَّى على غياب القوانين الاتحادية الناظمة، وعلى رأسها قانون النفط والغاز المعطَّل منذ عقدين. 

وتستند بغداد في مسعاها لفرض السيطرة على أي صناديق استثمارية أو سيادية مستقبلية إلى المادة 110 من الدستور العراقي، والتي تمنح السُّلطات الاتحادية صلاحيات حصرية في رسم السياسة الخارجية والمالية والنقدية. في حين تجد أربيل في المادة 115 ومفهوم الصلاحيات المشتركة مبرراً قانونياً يمنح الإقليم الأولوية في إدارة ثرواته وأصوله الاستثمارية ما لم تكن محصورة بالمركز بشكلٍ قاطع، مستغلة التفسيرات المرنة للنصوص الدستورية لتعزيز موقفها التفاوضي.

أما في الشق الاقتصادي، فإن خطورة هذا النزاع تكمن في تأثيره المباشر على بيئة الاستثمار في العراق ككل.

إن غياب الرؤية الموحَّدة حول الصناديق السيادية يُفوِّت على البلاد فرصاً هائلة للاستفادة من الوفرة المالية، وتوظيفها في مشاريع تنموية عابرة للمحافظات بالتعاون مع الصناديق الاستثمارية الخليجية والعالمية.

فالشركات الدولية الكبرى لا تبحث فقط عن ملاءة مالية، بل تفتش بالدرجة الأولى عن استقرار تشريعي وبيئة قانونية واضحة لا تخضع لتقلبات المزاج السياسي بين بغداد وأربيل. 

إن الخروج من نفق هذا المأزق الدستوري والمالي لا يمكن أن يتحقق عبر سياسة فرض الأمر الواقع أو اللجوء المستمر إلى قرارات المحكمة الاتحادية العليا التي تزيد منسوب الاحتقان السياسي، بل يتطلَّب صياغة عقد اقتصادي جديد يربط التنمية المستدامة بالاستقرار السياسي. 

إن بناء صندوق سيادي عراقي موحَّد يضمن حقوق الأجيال ويمنح الأقاليم والمحافظات المنتجة مساحة عادلة من الإشراف والاستفادة، هو السبيل الوحيد لمنع تحوُّل الثروة إلى فتيل لانقسام الدولة، وضمان بقاء العراق لاعباً اقتصادياً موثوقاً في الساحتين الإقليمية والدولية.

* كاتب عراقي

back to top