الأغلبية الصامتة: حراس الخوف
بعض المراجعات لأيامنا السابقة، تذكرنا بما تسبب في تقليم أفراحنا مهما كانت مستحقة، فنحن جيلٌ وُلد في خاصرة القلق، كبرنا ومسودات الحروب تُكتب على جدران طفولتنا، ولم تمهلنا هذه الجغرافيا المستعرة وقتاً كافياً لنلعب، أو لنكبر على مهل؛ فمنذ أن كنا صغارنا، والنسيم الذي نتنفسه يحمل دائماً رائحة البارود المكتوم. ومعاناتنا النفسية تكمن في هذا «الترقب المزمن» فنحن نعيش في بيوت ممتلئة بالسلام، لكن أرواحنا ترتدي دروع الحرب دائماً. لم تعرف حياة مواليد السبعينيات معنى الاستقرار والهدوء طريقاً مستداماً، إذ وُلدنا ونشأنا على وقع طبول الحروب، بدأت حكايتنا في سنوات الطفولة الأولى مع اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية في عام 1980م، والتي استمرت لثماني سنوات، كنا أطفالاً نرقب غبار المعارك على الحدود، ونكتم أنفاسنا مع كل قذيفة تسقط في البحر أو تلوح في الأفق. ورغم أن الكويت لم تكن طرفاً مباشراً فيها، إلا أن الكثير من الأذى أصابنا من اعتداءات على سفننا ومنشآتنا الحيوية ومياه خليجنا التي تلوث بالزيت، ويكفينا أن أثر الحرب النفسي كان حاضراً في كل بيت كويتي من خلال الأخبار اليومية، والخشية من تمدد النيران، والعيش في حالة التأهب الدائم. لم نكن نعلم أن تلك الحرب لم تكن سوى المقدمة، حتى جاء فجر الثاني من أغسطس 1990م، ليزلزل الأرض تحت أقدامنا، إنه الغزو العراقي الغاشم لأرضنا الكويت، لم يكن ذلك مجرد حدث سياسي، بل كان الزلزال الذي هدم جدار الأمان الروحي في وجداننا، والصدمة النفسية الأعنف التي حفرت ندوباً عميقة في وجداننا. في تلك الأشهر السبعة، وفي حرب التحرير التي تلتها، شخنا فجأة، واقتُلعت براءتنا من جذورها، لندرك باكراً معنى الفقد، والغربة، وأن الوطن قد يختفي في ليلة وضحاها، وتوالت السنون، وظننا أننا عبرنا إلى ضفة الطمأنينة رغم القلق المتواصل من وجود نظام البعث، لكن الجغرافيا كانت لنا بالمرصاد من جديد. ففي عام 2003 عشنا أجواء حرب إسقاط النظام العراقي وما رافقها من استنفار أمني ونفسي، وتهديدات بضربات صاروخية واضطرارنا لتجهيز الغرف المحكمة في منازلنا. واليوم، نجد أنفسنا في مواجهة حرب جديدة ومباشرة مع إيران مفروضة علينا، ليعود ذات الشريط المرهق ليتصدر تفاصيل حياتنا اليومية. إنه ذات الهم الأسود يعود بأقنعة جديدة؛ ذات الترقب الذي ينهش الروح، وذات السؤال الذي يلاحقنا منذ خمسين عاماً: متى يهدأ هذا البحر الصاخب من حولنا؟ لم نعرف في حياتنا سلاماً ممتداً كغيمة صيف صافية، بل عشنا في «هدنة مؤقتة» بين قذيفتين، مما جعل الأمان لدينا مجرد حلم مؤجل وسط إقليم لا يهدأ، ولن نكون سوى حراس الخوف الذين يرقبون الأفق بقلوب متعبة تتوق لسكينة لم تأتِ بعد.