ارتكاسات حسية ونفسية إزاء «هلوسات شرق أوسطية»

نشر في 26-09-2026 | 15:10
آخر تحديث 26-09-2026 | 15:12
 د. محمد لطفـي

عندما يغدو الهذيان بوابة لكشف الحقيقة، ​في منطقة تعيش على صفيح ساخن وتتقاذفها الأزمات السياسية والاجتماعية والنفسية، يأتي الدكتور الروائي علي نضال تفاحة في روايته الجريئة «هلوسات شرق أوسطية» ليقدم صرخة أدبية وفلسفية في وجه الواقع العربي المأزوم، إذ تتخذ الرواية من «الهذيان» و«الهلوسة» أداة سردية لتفكيك اليقين، وبناء وعي جديد يتجاوز السرديات المألوفة.

​1. الرواية والتفكيك: تعدد الأصوات والمستويات

​تبدأ الرواية بحدث سياسي يرمز للتغيرات المتسارعة في العالم العربي، وتتشابك خطوط المعتقلين السياسيين وشخصيات تعاني من أزمات وجودية ونفسية.

​اعتمد الكاتب على تقنية تعدد الأصوات (البوليفونية)؛ حيث تتناوب الشخصيات على رواية الأحداث بلسان المتكلم، ليمنح كل شخصية خَلْفيتها النفسية واللغوية والطفولية الخاصة. ويظهر هذا التعدد كمرآة مكسورة تعكس الشتات الاجتماعي والنفسي للشرق الأوسط.

​2. البُعد النفسي: التشخيص عبر الأدب

​كون الكاتب طبيباً نفسياً، انعكس ذلك جلياً في بنية النص؛ إذ لا تكتفي الرواية بالسرد الأدبي، بل تتجاوزه إلى قراءة نفسية مكثفة تستحضر رواد التحليل النفسي مثل سيغموند فرويد وكارل يونغ.

​تناقش الرواية مفهوم «الصدمة الجماعية» (Post-Traumatic Stress Disorder) التي تعاني منها الشعوب العربية إثر الهزائم المتتالية والأزمات السياسية المتعاقبة، محاولةً الإجابة عن سؤال: كيف يتعايش الإنساني العربي مع الصدمات اليومية ويرمم ذاته؟

​3. الصراع بين السلطة والمُخلِّص

​تغوص الرواية في أبعاد فلسفية وسياسية عميقة من خلال تناول ثنائية «الطاغية» و«المُخلّص»، وتداخل النص الديني والموسيقى الشعبية في تشكيل وعي الفرد العربي. وتطرح تساؤلات حادة حول الوجود والوعي، والحدود الفاصلة بين الواقع والغرابة، وصولاً إلى فصل ختامي يضع القارئ أمام مساءلة وجودية مفتوحة حول الكتابة والحياة والغيبوبة.

​ختاماً

​«هلوسات شرق أوسطية» ليست مجرد حكاية متخيلة، بل هي تشريح دقيق وبذخ سردي يعيد صياغة الواقع العربي بشجاعة وتجرد. إنها نص يرفض السقف الرقابي، ويدعو القارئ لقراءة عكسية تتجاوز الظاهر لتصل إلى عمق الهلوسة التي تحكم مجتمعاتنا...

back to top