سماد الدواجن في الكويت: من تحدٍّ بيئي إلى ثروة

نشر في 25-09-2026
آخر تحديث 24-09-2026 | 18:22
 محمد إبراهيم الفريح

تواجه المناطق الزراعية في الكويت تحدياً بيئياً مستمراً، يتمثل في تراكم مخلفات مزارع الدواجن، وما ينتج عنها من انبعاث للروائح المزعجة، وتوفير بيئة خصبة لتكاثر الحشرات. إلا أن هذا التحدي يحمل في طياته فرصة استراتيجية واعدة، تتمثل في تحويل هذه المخلفات العشوائية إلى مورد زراعي واقتصادي ذي قيمة مضافة، يخدم خطط الأمن الغذائي، ويحمي البيئة في آنٍ واحد، حيث يُسمَّى سماد الدواجن بالذهب الأسود في جنوب أميركا.

يُصنف سماد الدواجن كأحد أغنى الأسمدة العضوية وأكثرها نفعاً، لاحتوائه على نِسب مركَّزة من العناصر الغذائية الأساسية لنمو النبات، وعلى رأسها: النيتروجين، والفوسفور، والبوتاسيوم (NPK). 

ورغم هذه القيمة العالية، فإن الاستفادة الميدانية منه تشترط معالجته بأساليب علمية، لتجنب الإضرار بالتربة والمياه الجوفية. وتعتمد أفضل الممارسات الصناعية الحديثة على تقنيات التجفيف الآلي لخفض نسبة الرطوبة، وتحويل السماد الطازج إلى حبيبات (Pellets) معقمة بالكامل، وخالية من مسببات الأمراض وبذور الحشائش، مما يُحوله إلى منتجٍ آمن، ومستدام، وسهل النقل والتخزين.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا المقترح يستند إلى خبرات وتجارب سابقة أثبتت نجاحها، حيث سبق لي تقديم مذكرات رسمية بهذا الشأن إبان عضويتي في مجلس إدارة الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية (بتاريخ 6 مارس 2007 و22 يناير 2008). كما قُمت بتطبيق هذه الرؤية على أرض الواقع، من خلال تأسيس أول مركز آلي لتجفيف السماد لمصلحة إحدى شركات الدواجن المحلية في منطقة الوفرة، والذي حقق نجاحاً وجدوى اقتصادية ملموسة.

وللانتقال بهذه الرؤية من مبادرات محدودة إلى صناعة وطنية مستدامة، يتطلَّب الأمر تبني صُنَّاع القرار خريطة طريق عملية ترتكز على خطوتين استراتيجيتين، هما:

• تخصيص أرض للمشروع الوطني: توفير موقع استراتيجي وبعيد عن الحيازات الزراعية والمناطق السكنية، بمساحة تقدَّر بـ 50.000 متر مربع، ليكون بمنزلة المركز الوطني الرئيسي لتجميع ومعالجة أسمدة الدواجن بطُرق آمنة ومغلقة.

• تأسيس كيان وطني جامع: توفير الدعم التشريعي واللوجستي لمربي الدواجن لتأسيس شركة أو مشروع وطني متكامل، يتولى مسؤولية جمع وتدوير هذه المخلفات وفق أحدث التقنيات العالمية، مما يرفع العبء عن كاهل المزارعين الأفراد.

إن تبني هذا المقترح ودراسته من قِبل جهات الاختصاص يمثل خطوة حيوية لخدمة المصلحة العامة والبيئة الكويتية. وتظل الكفاءات الوطنية المتخصصة على أتم الاستعداد لتسخير كل خبراتها العملية، وتقديم الدراسات الفنية اللازمة لضمان إنجاح هذا المشروع الاستراتيجي، بما يضمن تحويل «الذهب الأسود» من تحدٍّ بيئي إلى مورد زراعي مستدام يدعم منظومة الاقتصاد المحلي.

*مستشار زراعي

back to top