خير الناس
مجلسٌ يضم الصغير والكبير، يجمعهم الود، وتثريهم المعرفة، هكذا هو مجلس الصُّحبة الصالحة، وسع صدرك، كما يحلو لصاحبه أن يُسميه. تُقام فيه الدروس والمحاضرات، بشتى أنواعها مما ينفع الناس، وكل يدلي بدلوه بعيداً عن القيل والقال، ولله الحمد.
ذات يوم، في ذلك المجلس، سأل أحد رواد المجلس أحد أبناء وزير الأوقاف السابق يوسف الحجي، رحمه الله، قائلاً: «حدِّثنا عن سيرة والدك، وحياته». فاستهل حديثه عن والده، رحمه الله، مُستعرضاً شيئاً من سيرته، ومحطات حياته المليئة بالعطاء، فقد نذر نفسه لخدمة الناس، مُحتسباً الأجر عند الله إلى آخر يومٍ في حياته، وكأن فيه قول الشاعر:
تشاغل الناس بالدنيا وزخرفها
وأنت من بذل المعروف في شغل
ومما جذبني في حديثه، أن والده تُوفي عن سبعةٍ وتسعين عاماً، وأنه ظلَّ إلى أواخر حياته يعمل نشيطاً، ولم يُعرف عنه الانقطاع أو الركون إلى الخمول. فشرد بي الذهن إلى جدي لأمي، سعود جاسم إبراهيم الفندي، رحمه الله، المولود عام 1888م، والذي امتد به العُمر إلى ما يزيد على المئة عام، فقد كان رحمه الله كثير الحركة والنشاط والعطاء والبر، حتى في كبره، وكان باراً بوالديه، وكانا يدعوان له بطول العُمر، وأن يرزقه بر ذرية الذرية، وكان يعول أيتاماً كذلك، وهنا أخذت أتساءل: ما سر طول العُمر مع الصحة والعافية؟
المتأمل يجد أن الأمر أولاً وأخيراً بيد الله تعالى، فالآجال مكتوبة، لا تتقدَّم، ولا تتأخر. قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ). ومع ذلك جعل الله في هذه الحياة أسباباً، وقد جاء في السُّنَّة ما يفتح باباً جميلاً للتأمُّل في هذا المعنى، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سرَّه أن يُبسط له في رزقه، أو يُنسأ له في أثره، فليصل رحمه». وجاء عنه، صلى الله عليه وسلم: «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العُمر إلا البر»، وغيرها من الآثار الجميلة. فالبر وصِلة الرحم والصلاح من أسباب البركة في العُمر، كما أن الحركة والعمل والنشاط والاعتدال في المأكل والمشرب واختيار الغذاء الطيب والبُعد عمَّا يضر الجسد من أسباب حفظ قوة البدن، بإذن الله. لذلك تستوقفني تلك الحكمة الجميلة: «حفظناها صغاراً، فحفظتنا كباراً». فربما لم يكن سر طُول العُمر في عدد السنين وحده، بل في البركة التي يضعها الله في العُمر، وفي حياة يملؤها الإنسان بالبر والعمل والحركة ونفع الناس، حتى إذا تقدَّمت به السِّن بقي له من نشاط شبابه نصيب.
اللهم بارك لنا في أعمارنا وأعمالنا، وارزاقنا وأهلينا، ومتعنا بالصحة والعافية، وارزقنا حُسن العمل وحُسن الخاتمة.