بدون مجاملة: سراب الإنجاز

نشر في 25-09-2026
آخر تحديث 24-09-2026 | 18:20
 سارة صالح الراشد

متى ظهرت كلمة الإنجاز بالمعنى الذي نتداوله اليوم، واخترقت حياة عامة الأفراد، وليس كبار الشخصيات، ومنحت مكانة وجاذبية لصاحبها، الذي يرفعها ويكررها؟ 

الإنجاز يمثل أداءً مسؤولاً موجهاً، يتطلَّب جهداً دؤوباً، يُلامس الحياة الشخصية، ويختلط بالتفاعلات الاجتماعية، كنيل درجة دراسية أو مكانةٍ وظيفية، أو نشر علمٍ نافع، حتى احتراف صنعة، أو تنشئة أسرة صالحة.

الإنجاز هو إتمام عمل أو مهمة بنجاح. الأعمال والمهام تختلف من شخصٍ إلى آخر، بل بين اليوم والغد. قد يكون ذهابك إلى محطة الوقود لتعبئة مركبتك إنجازاً، لأنه أمر مرتبط بواقع حياتك، ولابد من القيام به. الطفل الذي ينهي واجباته المدرسية يعتبر هذا إنجازاً، والقارئ الذي يعكف على مجلد يتوق إلى إنهاء ما بين دفتيه يعتبر ذلك إنجازاً، والمزارع الذي يتعهَّد النبات حتى يحصد الثمار، وربة المنزل التي تقوم بأمور البيت والمتابعة... أم أن هؤلاء يؤدون أعمالاً قديمة روتينية؟

أصبح الناس في سباق وتحدٍّ، مَنْ يمتلك؟ مَنْ يسافر؟ مَنْ يقتني؟ مَنْ يجرِّب هذا الطبق؟ مَنْ ينضم لهذا المجال، ويمارس ذاك النشاط؟ مَنْ الأول، ومَنْ الثاني؟ ظناً بأن هذه «إنجازات»! ثم لابد من عرضها على الملأ! وانطلق جنون «المحتوى»، الكل يتدافع ليكون صانع محتوى! يتسوَّل الإعجابات، و«يتشقلب» لزيادة أعداد المتابعين. إنه متعطِّش للتفاعل على حساب وقته وصحته، وحتى كرامته! يُقلقه ألا يُثير الانتباه، ويُخيَّل له أنه مُطالب باللحاق بركب «الترند» حتى يبدو متفتحاً، و«شايف الدنيا»! أما مَنْ يعيش يومه، ويركِّز في شؤونه، ويقرِّر ما يناسبه، فيبدو شخصاً مملاً، و«غشيم».

باتت هناك هيئة معينة للإنجاز، مواضيع محدَّدة، وقائمة مُعدَّة، وهلاوس حول الانتشار والشهرة، وإن كلفت المرء سُمعته، ونُقل الحلال والحرام إلى خانة الحُرية الشخصية.

ذابت الحشود في التقليد والتكرار، متوهمةً بأن هذا هو «الدارج». أُلغيت الخصوصية، واختفت الاستقلالية الفكرية، وأُسقِطت المعايير الأخلاقية، لهثاً خلف إنجاز في عالمٍ رقمي.

كل واحد يُريد أن يثبت بأنه سعيد، و«عايش حياته». الإنجاز (الفارغ) في الماديات والمظاهر غيَّر المفهوم الحقيقي للإنجاز، وهو الذي يتفاوت بتفاوت ظروف الناس وأنماط معيشتهم ورغباتهم واحتياجاتهم. حوَّل الاختلاف الطبيعي إلى استنساخٍ زائف، ففجأة على الجميع أن يحب القهوة، بل ويدمنها! الجميع يذهب إلى الأندية الرياضية، يقف في طابور لتجربة قطعة حلوى. في النهاية: ما القيمة؟ أن تأكل وتصوِّر، تسافر وتنشر، تشتري وتعرض، ما الفائدة؟

تماماً كالسراب، تراه يلمع من بعيد، لكنه لا شيء. ويبقى السؤال للنفس: ماذا أعددنا للآخرة؟

back to top