شوشرة: سلوى الحياة

نشر في 25-09-2026
آخر تحديث 24-09-2026 | 18:18
 د. مبارك عبدالهادي

عندما يفقد المرء قيمته الحقيقية، ويُصبح رخيصاً باهتاً بلا أخلاق وكرامة، سوى ذنب يصول ويجول خلف مَنْ يُطعمه الفتات، حينها تعلم جيداً أننا في عالم أصبح يضيق ذرعاً من بئس هؤلاء، ويكشف حجم الفجوة التي نعيشها ونحن على أعتاب سنوات تنفض الغبار عن جدرانها اليائسة، لتكشف عن وجوهٍ جديدة وزمرة من الخبثاء والاتباع الذين يتوالدون بحثاً عمَّن يُطعمهم الفتات، ليقودهم كقطيع المطايا، التي تبحث عن عصا الراعي، الذي يُروضها ويهدِّئ من روعها، ويخفف من وطأة مخاطرها على الضعفاء والمسالمين. 

فهذه الفئة، التي تمتاز بالعديد من التصنيفات الدنيئة، تسرح وتمرح في ربوع الآخرين، طالما كل شيء مجاناً. فالرخيص، مهما حاول تجميل صورته، يبقى سعره في القاع وبمتناول الجميع. 

وهناك مَنْ يحاول تخفيف وطأة ذلك تحت ذريعة البحث عن ملاذٍ آمن، ليعيش كغيره، بعد أن كان محروماً لا يملك قوت يومه. وطبعاً هذه التبريرات لتغطية معاناتهم الداخلية، لأنهم يعلمون جيداً حقيقتهم الرخيصة، وأنهم مجرَّد سلعة ومنديل نهايته الحاوية، بعد انقضاء مهمته المُحدَّدة في تنظيف المراحيض، وغيرها من الاحتياجات التي يعف اللسان عن ذكرها.

وهناك أيضاً مَنْ ينتقد كل مَنْ يكشف حقيقة هذه الفئة، تحت ذريعة «كل شخص حُر في نفسه وطباعه»، رغم أنه يمارس أرذل الأفعال من أجل أن يؤذي الأبرياء، ويجرحهم، ويقلل من شأنهم، ويستهدفهم في كل لحظة، لكن «لو خليت خربت»، لأننا سنطل على الأنقياء من تلك النافذة النظيفة التي لم تخدشها الأتربة، ولم يؤثر عليها وجود الخبثاء، ولم تمحُ السنوات جُدرانها الجميلة. فهؤلاء الذين يعيشون بصفاء وطهارة ونقاء يجلبون لمَنْ حولهم السعادة، ويساهمون في دعمهم، ويصدِّرون لهم الإيجابية، فهم سلوى الحياة الذين يحسدون كل مَنْ يمتلكها، فمَنْ لديه سلوى ستستقر حياته، والسعادة ستكون داراً له، والسؤال هنا: مَنْ منا يملك سلوى؟

الكرامة والعزة من الشيم والقيم التي يفترض على كل إنسان امتلاكهما، حتى يمضي حياته بشموخ، وتبقى ذكراه خالدة حتى بعد الممات، بدلاً من أن يكون رحيله راحةً للآخرين، الذين سيدعون عليه بدلاً من الدعاء له، وستكون سيرته حاضرة عند الذكريات السيئة، وهو أمر يرفضه كل مَنْ يُريد أن تكون صفحته بيضاء. فهناك مَنْ لا يميز بين الخير والشر، والسُّمعة الطيبة والسيئة، والسيرة الخائبة والحسنة، لأنه يعيش في عالمه اللاواقعي، رغم أنه لايزال يسكن في خرابته التي اندثرت ملامحها، بسبب القاذورات التي تُحيط بها وتعشش فيها الأوبئة، فالإنسان يجب أن يكون ذا قيمة، وأن يحافظ على معدنه الثمين، حتى لا يصدأ، وأن يبتعد عن كل مَنْ يحاول أن يُصيبه بفيروساته الخبيثة، لتلويث سُمعته وتدمير حياته والقضاء عليه، لتكون نهايته في غرفة مظلمة.

آخر السطر:

ابحثوا عن سلوى الحياة، حتى تعيشوا سعداء.

back to top