أنت لا تختار ذوقك

نشر في 23-09-2026
آخر تحديث 22-09-2026 | 19:32
 سعيد المبارك

هل أنت متأكد أن ما تحبه اليوم هو اختيارك أنت؟ السؤال يبدو بسيطًا، وربما مستفزًا قليلًا، فأنت تعرف الألوان التي تحبها، والطعام الذي تفضله، والعطر الذي ترتاح إليه، والموسيقى التي تستمع إليها، والبيت الذي يعجبك، وحتى الأماكن التي تشعر فيها بأنك «على طبيعتك»، كل ذلك تسميه ذوقًا شخصيًا. 

لكن هناك مشكلة صغيرة... لقد بدأ ذوقك يتكون قبل أن تعرف أنك تملك حق الاختيار. حين كنت طفلًا، لم تكن تعرف لماذا تحب رائحة بيت بعينه، لكنك أحببتها، لم تكن تعرف معنى الحنين، ومع ذلك تعلقت بأغنية كان يسمعها والدك، أو بطبق كانت أمك تعده في مناسبة معينة، لم تكن تعرف شيئًا عن الموضة، لكنك عرفت مبكرًا أن لونًا ما «جميل»، وأن شيئًا آخر «لا يليق». من هنا بدأت الحكاية، فالذوق لا يولد في فراغ، تتدخل في تشكيله الأسرة، والمدينة، والطبقة الاجتماعية، والأصدقاء، والمدرسة، والذكريات، والصور التي تعرض علينا يوميًا، ثم نكبر، وننسى كل هذه التفاصيل، وننظر إلى اختياراتنا باعتبارها تعبيراً خالصاً عن ذواتنا. 

وقد يكون الأمر أكثر غرابة، فأحياناً لا نحب الشيء نفسه، بل نحب الشعور الذي يمنحنا إياه... نشتري بيتاً يشبه الصورة التي رسمناها عن «الحياة الجميلة»، أو نختار ملابس تجعلنا نبدو كما نريد أن يرانا الآخرون، أو نفضل مطعماً لأن الذهاب إليه أصبح جزءاً من صورتنا الاجتماعية. حتى بعض ما نسميه «ذوقاً راقياً» قد يكون شيئًا تعلمنا أن نراه راقياً. وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر إزعاجًا: «هل أحب هذا فعلاً؟ أم لأنني اعتدت أن أحبه؟ هل اخترت هذا المكان لأنه يشبهني، أم لأنني تعلمت أن أمثاله تعني النجاح؟ وهل أكره شيئاً لأنه لا يناسبني فعلاً، أم لأن أحداً أقنعني منذ الصغر بأنه لا يليق بي؟». 

لا يعني ذلك أننا بلا إرادة، ولا أن ذوقنا مجرد نسخة من الآخرين، نحن نعيد تشكيله باستمرار، ونكتشف أنفسنا، ونغير ما نحب مع تغير تجاربنا، لكن ربما أجمل ما يمكن أن نفعله هو أن نمنح أنفسنا فرصة لاكتشاف الفرق بين ما اخترناه، وما ورثناه، وما اعتدناه، فقد لا تكون معرفة الذات في أن تعرف ما تحب فقط، بل أن تعرف لماذا تحبه. وربما، في لحظة صدق نادرة، تكتشف أن بعض الأشياء التي قلت عنها طويلاً: «هذا أنا».. لم تكن أنت أصلاً... كانت فقط أشياء وصلت إليك مبكراً، ثم أقنعتك الأيام بأنها جزء منك. 

*كاتب سعودي

back to top